محطات في حياة قيثارة السماء (في ذكرى رحيل القارئ الباكي فضيلة الشيخ محمد صديق المنشاوي)
د. أحمد محمد الشربيني
في العشرين من يونيو، حيث تتجسد الذكرى، يطل علينا طيفٌ من نور القرآن، ذكرى رحيل قامةٍ قرآنيةٍ شامخة، وصوتٍ عرفته القلوب قبل الآذان. إنه الشيخ محمد صديق المنشاوي، ذلك القارئ الفذّ الذي خطّ بأحرفه النورانية أثرًا لا يُمحى في وجدان الأمة. سبعة وخمسون عامًا مضت على رحيله، ومع ذلك لا تزال تلاوته تنساب في المساجد والبيوت، كأن الزمان توقف عند نبراته، وكأن الروح التي فاضت إلى بارئها لم تفارق الحياة يومًا.
وُلِدَ الشيخ في بلدة المنشأة بمحافظة سوهاج عام ١٣٩هـ (١٩٢٠م)، في بيتٍ كان القرآن فيه نَسَمَةَ الحياة، ووالده الشيخ صديق المنشاوي أحد أئمة التلاوة في عصره. فترعرع الصبي في كنف الحفظ قبل أن يُلمّ بالكتابة، وأتمّ ختم كتاب الله في سنٍ باكرة، ثم صقل موهبته بعلوم التجويد والقراءات على أيدي كبار العلماء. فكان من أندر المواهب التي أنجبها صعيد مصر، حيث يجتمع الجمال بالتقى، والعذوبة بالخشوع.
وفي ريعان شبابه، انتشر خبره بين القرى والنجوع، فكان الناس يفدون من كل حدبٍ وصوب ليُصغوا إلى تلاوته التي تفيض من القلب قبل اللسان. صوتٌ جمع قوة الجبال ورقة الندى، فاستحق بجدارة ألقابًا تُخلّد في الذاكرة: “صوت الخشوع”، و”القارئ الباكي”، و”مبكي الملائكة”.
وما أجمل قصة التحاقه بالإذاعة المصرية، حين لم يسعَ إلى الأضواء كما يفعل الكثيرون، بل كانت الأضواء هي التي بحثت عنه في قرى الصعيد البعيدة. فلمّا بلغ صدى صوته أسماع القائمين على الإذاعة، انتقلوا إليه في المنشأة ليستمعوا إليه، وهناك أدركوا أنهم أمام موهبة سماوية لا تتكرر، فاعتُمد قارئًا للإذاعة عام ١٩٥٣م، ليُسافر صوته بعدها عبر الأثير إلى أرجاء العالم الإسلامي كلّه.
وكان الشيخ، رحمه الله، نموذجًا في التواضع والزهد، بعيدًا عن المظاهر والأضواء. يرى في التلاوة رسالةً ومسؤولية، لا مهنةً ووسيلةً للربح. عاش حياةً هادئة بين أهله، قريبًا من الناس، محبوبًا من الخاصة والعامة، لا تزعزع مكانته الرفيعة تواضعه الجمّ، ولا تُغيّر شهرته البالغة بساطة عيشه.
وحلّق صوته العذب في سماء العديد من البلاد العربية والإسلامية، فزار السعودية وسوريا والأردن والكويت وليبيا وإندونيسيا، وكانت رحلاته مناسباتٍ استثنائية تحتشد فيها الجموع وتفيض فيها المشاعر. ويروي الذين عاصروه أن غير الناطقين بالعربية كانوا يبكون تأثرًا بصوته، وكأن الخشوع لغةٌ لا تحتاج إلى ترجمة، وكأن الإحساس يسبق المعنى إلى القلوب.
ومن طرائف أسفاره أن الجماهير كانت تلحّ عليه بمواصلة التلاوة ساعاتٍ بعد الوقت المحدد، فيلبي طلباتهم حبًا في القرآن وتقديرًا لعشق الناس لكلام الله، حتى صار قدومه حدثًا يملأ الساحات والمساجد قبل حلوله بساعات، وكأن الزمان والمكان يتوقفان حين يشرع في التلاوة.
وخلّف المنشاوي تراثًا تسجيليًا فريدًا من المصاحف المرتلة والمجودة، باتت مرجعًا لطلاب العلم، وكنزًا للدارسين، يجمع بين صحة الأداء، وجمال النغم، وعمق التدبر. فكان نموذجًا نادرًا يجمع خصائص الإتقان والذوق والروحانية في آن واحد.
ومن الطريف أن الزمن أعاد اسمه إلى الواجهة مجددًا في يونيو ٢٠٢٦، حين أعلنت إذاعة القرآن الكريم في مصر عن إذاعة ختمة مرتلة نادرة له، سُجّلت قبل ستة عقود، ولم تُبثّ من قبل. وتكشف الوثائق أن الشيخ قد سجّل الختمة في ستينيات القرن الماضي، ثم استمع إليها بنفسه، فطلب إعادة تسجيل بعض أجزائها على نفقته الخاصة، لأنها لم تبلغ المستوى الذي يرضيه. وأما الأجزاء التي أجازها، فقد بقيت حبيسة الأرشيف لعقود، لتخرج اليوم إلى النور، وتمنح محبيه فرصةً جديدة للاستماع إلى صوته بعد نصف قرن من رحيله، مؤكدةً أن العظماء لا يموتون، بل تُخلّد آثارهم.
وفي ١٢ ربيع الآخر ١٣٨٩هـ، الموافق ٢٠ يونيو ١٩٦٩م، أسلم الشيخ روحه إلى بارئها بعد معاناةٍ مع المرض، عن عمرٍ لم يتجاوز التاسعة والأربعين. لكنّه كان عمرًا مباركًا حافلًا بالعطاء والإخلاص، تاركًا إرثًا قرآنيًا ما زال ينبض بالحياة، يردّد في المساجد والبيوت آيات الرحمة، ويذكر الأجيال بقارئٍ أفنى عمره في خدمة كتاب الله، فاستحقّ الخلود في سفر الأبرار، وفي قلوب المؤمنين إلى يوم الدين.
رحم الله الشيخ محمد صديق المنشاوي رحمة واسعة، وجعل القرآن العظيم شفيعًا له، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، وأسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.



