من الحصر إلى التمكين… حين يصبح الوصول حقًا للجميع
حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء
عضو الجمعية العمانية للأشخاص ذوي الإعاقة
ليست المدن بما يرتفع فيها من مبانٍ، ولا بما تمتلكه من طرق وجسور، وإنما بقدرتها على أن تفتح أبوابها للجميع دون استثناء. فحين يستطيع كل فرد أن يصل إلى الخدمات، ويتحرك باستقلالية، ويشارك في الحياة العامة دون عوائق، عندها فقط يمكن أن نصف المدينة بأنها مدينة إنسانية.
ومن هذا المنطلق جاءت المبادرة الوطنية لحصر المباني والمنشآت المهيأة للأشخاص ذوي الإعاقة، التي دشنت وزارة التنمية الاجتماعية أعمالها من خلال ورش العمل التي عُقدت يومي الاثنين والثلاثاء الموافقين 22 و23 يونيو 2026م، تحت رعاية الفاضل فهد بن حمد بن سيف الرحبي، مدير عام المديرية العامة للتخطيط والتطوير بوزارة التنمية الاجتماعية، وبمشاركة ممثلين من مكاتب أصحاب السمو والمعالي والسعادة المحافظين، في خطوة تعكس تكامل الجهود الوطنية نحو بناء بيئة أكثر شمولًا وعدالة.
وتأتي هذه المبادرة انطلاقًا من رؤية تؤمن بأن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة لا يبدأ عند تقديم الخدمة، وإنما يبدأ منذ تصميم المكان وتهيئته، بحيث يصبح الوصول إليه والتنقل داخله حقًا طبيعيًا، لا يتطلب الاعتماد على الآخرين أو طلب المساعدة.
وتمثل المبادرة في مرحلتها الأولى مشروعًا وطنيًا لحصر المباني الحكومية، ومنشآت القطاع الخاص، والمرافق العامة، بهدف الوقوف على مدى تهيئتها وفق معايير إمكانية الوصول المعتمدة. فالحصر هنا ليس غاية بحد ذاته، بل هو الخطوة الأساسية التي تُبنى عليها المراحل اللاحقة، من خلال توفير بيانات دقيقة تساعد في التخطيط، وصناعة القرار، ووضع البرامج الكفيلة بتطوير البيئة العمرانية بما يحقق الوصول الشامل للجميع.
كما تسهم المبادرة في تعزيز ثقافة إمكانية الوصول الشامل، باعتبارها حقًا أصيلًا للأشخاص ذوي الإعاقة، ومنفعةً تمتد آثارها الإيجابية إلى جميع أفراد المجتمع.
ومن خلال قاعدة البيانات الوطنية التي ستنتج عن أعمال الحصر، ستتوافر معلومات دقيقة حول واقع المباني والمنشآت في مختلف المحافظات، بما يساعد الجهات المختصة على تحديد الأولويات، ورفع كفاءة الخدمات، وتوجيه خطط التطوير وفق احتياجات حقيقية، بعيدًا عن الاجتهادات أو التقديرات العامة.
ولعل أجمل ما تحمله هذه المبادرة أنها تنقل مفهوم التهيئة من كونه استجابة لمطلب، إلى كونه جزءًا أصيلًا من التخطيط التنموي المستدام. فكل منحدر يُنشأ، وكل مسار بصري يُنفذ، وكل موقف مخصص يُوفر، ليس مجرد عنصر هندسي، بل رسالة تؤكد أن المجتمع يتسع للجميع، وأن كرامة الإنسان تبدأ من حقه في الوصول.
إن مشاركة مكاتب المحافظين في هذه الورش تمثل ركيزة مهمة لإنجاح المبادرة على مستوى محافظات سلطنة عُمان، وترسخ مفهوم الشراكة بين مختلف الجهات الحكومية، بما يضمن تنفيذ أعمال الحصر وفق منهجية موحدة، وصولًا إلى قاعدة بيانات وطنية تسهم في رسم مستقبل أكثر شمولًا.
إن هذه المبادرة ليست نهاية الطريق، وإنما بدايته. فحصر الواقع هو الخطوة الأولى نحو تطويره، ومعرفة الاحتياج هي المدخل الحقي لتلبيته. وعندما يصبح الوصول جزءًا من ثقافة التخطيط، فإننا لا نبني مباني أكثر جاهزية فحسب، بل نبني مجتمعًا يؤمن بأن العدالة تبدأ من أن يكون الطريق مفتوحًا أمام الجميع، دون استثناء.



