مقالات صحفية

المعلق خليل البلوشي.. عاشق أرض الكنانة

د. أحمد محمد الشربيني

في البدء كان صوتًا، فإذا به يصير للمصريين ذاكرةً حية، وإذا بتلك الطلة العُمانية والروح العربية تتحول إلى حكاية تُروى في المقاهي وتُتداول في المجالس. إنه خليل البلوشي، المعلّق العُماني الذي لم يكتفِ بنقل المباريات، بل أصبح جزءًا من نبضها، وروحًا تسكن تفاصيلها.

ولد خليل البلوشي في الثالث من أكتوبر عام 1979، وبدأ حياته العملية في سلاح الجو السلطاني العُماني لمدة سبع سنوات، قبل أن ينتقل إلى وزارة الإعلام، حيث دخل عالم التعليق الرياضي أواخر عام 2002 من خلال بطولة الصداقة للشباب. وفي يوليو 2007 انتدبته قناة «الدوري والكأس» للتعليق على الدوري القطري، ثم انتقل إليها رسميًا، قبل أن يصبح أحد أبرز الأصوات في قنوات «بي إن سبورتس»، ويحصد جائزة «زاهد قدسي» لأفضل معلق عربي عام 2015. غير أن هذه الألقاب، على أهميتها، لا تروي إلا جزءًا من حكايته.

في عالم التعليق الرياضي اعتدنا الحياد والموضوعية والتحليل الهادئ، لكن في مباراة مصر ونيوزيلندا بدا خليل البلوشي وكأنه ألقى بكل تلك القيود خلف ظهره، وارتدى قميص العشق المصري، واضعًا نفسه ـ كما يقول المصريون ـ في «حتة تانية خالص».

منذ صافرة البداية عاش كل هجمة، وتفاعل مع كل فرصة وكأنها معركة مصيرية. وكل كرة ضائعة كانت تنعكس في نبرة صوته ومشاعره، حتى خُيّل للمشاهد أن بطاقة هويته كُتب عليها: «مصري عند اللزوم».

وبعد الهدف الأول ارتفعت نبرة فرحته، ثم ازداد حماسه مع الهدف الثاني، حتى جاءت لحظة تسجيل محمود حسن «تريزيجيه» الهدف الثالث، فأطلق عبارته التي بقيت عالقة في أذهان الجماهير:
«منتخب مصر يصل لانتصار طال انتظاره سنين… تسعون سنة ونحن في انتظار هذه اللحظة… ليأتي تريزيجيه ويؤكد ذلك… مستمرين ومكملين… ولكل الشكاكين المرادي مطولين.»

في تلك اللحظة، ذابت الحدود بين عُمان ومصر، وتراجعت الجغرافيا أمام وحدة المشاعر. وخُيّل إليّ أنه يجلس معنا في أحد مقاهي إمبابة أو شبرا، يتابع المباراة كواحد من أبناء مصر، يتنفس هواءها ويعيش تفاصيلها، لا كمعلق ينقل أحداثها من خلف الميكروفون.

وبينما اكتفى بعض المعلقين بوصف ما يجري، كان البلوشي ينسج رواية كاملة من دقائق المباراة، يضخ فيها حرارة الشعور، ويقدم أحداث اللقاء بأسلوب يفتح شهية المشاهد كما يفتحها طبق المشاكيك العُمانية، ويجعل كل دقيقة تبدو وكأنها نهائي كأس العالم.
لقد أثبت أن المعلق المبدع ليس ناقلًا للأحداث فحسب، بل هو أديب يمتلك القدرة على التصوير والوصف، فيحوّل الكرة إلى قصة، والهدف إلى لوحة، والمباراة إلى ملحمة.

ولذلك لم يكن فوز مصر وحده هو الجميل في تلك الليلة، بل كان هناك أيضًا صوت قادم من عُمان، منح كل هجمة نبضًا، وكل هدف حكاية، وكل دقيقة متعة لا تُنسى.
وفي لحظات كثيرة تمنيت لو أغمضت عيني واكتفيت بالإنصات إلى صوته، لأقسم أنه أحد أبناء مصر، أو أن جذوره تمتد إلى أحد أحيائها الشعبية. إنه ذلك الانتماء العفوي الذي لا يُصنع، بل يولد من محبة صادقة، وكأن حضارة مجان وحضارة الفراعنة قد التقتا في وجدان رجل جمعهما بصوته وشغفه.

فسلامًا وتحيةً، وباقةً من الشكر والتقدير، لعملاق التعليق الرياضي العربي خليل البلوشي، الذي جعلنا نستمتع بالمباراة مرتين: مرة بأقدام اللاعبين، ومرة بصوته الدافئ. بدأ المباراة عُمانيًا، وروى أحداثها عربيًا، وأنهاها بروحٍ مصرية أحبها الجمهور.

ولم يقف عشق البلوشي لمصر عند حدود المنتخب، بل امتد إلى النادي الأهلي، حتى أصبح أيقونة لدى جماهير القلعة الحمراء. فمنذ أن أطلق عبارته الشهيرة: «التاسعة بتوقيت الأهلي» عقب أحد الانتصارات التاريخية، تحولت الجملة إلى علامة فارقة في مسيرته، واعترف هو نفسه بأنها «غيّرت حياتي تمامًا».

ولم ينس جمهور الأهلي هذا الموقف، فبادله المحبة والوفاء، حتى قال البلوشي: «جماهير الأهلي نقلتني إلى مكانة أخرى في مشواري التعليقي.»
وهكذا أثبت خليل البلوشي أنه ليس مجرد معلق رياضي عابر، بل صانع لحظات خالدة في وجدان الكرة العربية، وأن محبته لمصر لم تكن شعارًا عابرًا، وإنما شعورًا صادقًا انعكس في صوته، ووصل إلى قلوب ملايين المشاهدين، فاستحق أن يكون واحدًا من أكثر المعلقين حضورًا وتأثيرًا في الذاكرة الرياضية العربية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights