جبر الله أعظم ..
منى بنت سليمان الجهورية
ليست كل الجراح تُرى، فبعضها يسكن القلب بصمت، يرهق الروح دون أن يشعر به أحد، ويترك في داخل الإنسان أثرًا لا يُمحى بسهولة. وأشد الألم حين يأتي الأذى من شخص ظننّاه أمانًا، فبعض الناس يدخلون حياتنا بكلام جميل، ثم يتركون خلفهم وجعًا طويلًا لا يُقال ولا يُشرح.
لكن المؤمن الحقيقي يعلم أن الله لا يغفل عن قلبٍ انكسر، ولا عن دمعةٍ سقطت في خفاء الليل أو في لحظة صمت. لذلك مهما اشتد الوجع، يبقى اللجوء إلى الله أعظم راحة، لأن البشر قد يخذلون، أما الله فجبره إذا جاء أذهل القلب وبدّل الحال دون أن نشعر.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 5-6)، وكأنها وعدٌ إلهي ثابت لا يتغير، بأن بعد كل ضيق فرجًا، وبعد كل انكسار جبرًا أجمل مما نتوقع، وبأن الله يهيئ لنا من رحمته ما يعجز عقلنا عن إدراكه. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 153)، فالصبر ليس ضعفًا، بل قوة قلب يعلم أن الله يرى كل شيء ويؤجل العوض ليأتي أعظم.
وفي الحياة نتعلّم أن ليس كل ما يُغلق بابًا يكون شرًا، فقد يكون حماية من طريق لا نعلم نهايته، أو تأخيرًا لخيرٍ مكتوب، أو كشفًا لحقيقة كنا سنؤذى بها أكثر لو تأخرت. فالله يدبّر بحكمة، ويختار لنا الخير حتى لو لم نفهمه في البداية.
وأحيانًا يكون الابتعاد رحمة، والتأخير حماية، وانكشاف الحقيقة لطفًا خفيًا من الله لا ندركه إلا بعد حين، فنحمد الله على كل ما كنا نظنه فقدًا واتضح أنه نجاة.
وفي الحياة أيضًا نتعلّم أن القلوب الطيبة تتألم كثيرًا، لكنها لا تؤذي، وتصبر رغم قدرتها على الرد، وتسكت أحيانًا احترامًا لنفسها لا ضعفًا منها. فكم من شخص ابتسم وهو يحمل داخله ما لو وُزّع على جبل لأثقله، وكم من قلب قال “الحمد لله” وهو يحتاج من يجبره.
وقال رسول الله ﷺ:
«واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا»
رواه أحمد
فما دام الله يعلم ما في القلوب، فلا خوف من ظلم البشر ولا من قسوة المواقف، لأن الجبر حين يأتي من الله يُنسيك كل ما بكيت عليه يومًا، ويبدل الحزن طمأنينة، والخوف أمانًا، والانكسار قوة. وربما الأيام التي أبكتنا اليوم، ستكون غدًا سببًا لخير عظيم لم نكن نتخيله، ورحمة واسعة من الله كانت تُدبَّر لنا ونحن لا نشعر.
لذلك لا نحمل في قلوبنا إلا الدعاء:
اللهم اجبر خواطرنا جبرًا يليق برحمتك، وبدّل حزننا فرحًا، وطمئن قلوبنا بعد خوفها، واكتب لنا الخير حيث كان ثم ارضنا به، ولا تجعل لنا حاجة عند من لا يقدّر القلوب.
اللهم ارزقنا راحة لا تنقطع، وقلبًا مطمئنًا لا يرهقه التفكير، ونصيبًا جميلًا يأتي بلطفك ورحمتك يا أرحم الراحمين.


