حين يصبح الطموح مصدر إزعاج

أحمد معروف اليافعي
أكتب لكم اليوم عن معاناة يشعر بها كثيرٌ منا وسط هذا الزحام، وتسارع الحياة، وضجيج العقول، وهذا العالم المتواصل والغريب.
مقالي اليوم مختلف، لأنه صادق، ويشبه كل شخص حاول أن يعمل بإخلاص، ثم اصطدم بسوء الفهم بدل التقدير، وبالتقليل بدل الدعم.
هنا أضع حقيقة مؤلمة، لكنها جريئة وصريحة.. لا أقصد شخصًا بعينه، لكنها مشاعر وتجارب عشتها طويلًا، ورأيتها تتكرر في واقعنا بشكل مؤلم.
عندما تكون شخصًا يحب العمل والطموح، تُتهم بحب الظهور، وتبدأ محاولات تشويه سمعتك من الحاسدين أو المنافسين، وعندما تتحمل مسؤولية وتقود فريقًا، تُتهم بالإزعاج وعدم القدرة على السيطرة، وعندما تتحدث بجدية وحزم، يقولون إنك عصبي، وعندما تدير العمل بثقة، تتهم بالغرور أو الدكتاتورية.
وكأن الطموح في بعض البيئات أصبح مصدر إزعاج، هناك فرق كبير بين الفوضى والشغف، وبين العصبية والحزم، وبين الدكتاتورية والقيادة.. لكن البعض لا يرى إلا ما يريد أن يراه، لأن نجاح غيره يزعجه أكثر مما يلهمه، تبقى واقفًا في مكانك، بينما من حولك يتطورون وينهضون، تمامًا كالنبتة التي لا تُسقى؛ لا يمكن أن تصبح شجرة قوية، ثم يسألونك: لماذا تغيرت؟ أين نشاطك؟ أين قوتك؟ أين اختفى ذلك الحماس؟ تبدأ بالانهيار تدريجيًا، وتذبل كأوراق أنهكها الجفاف.. تحاول أن تنهض، أن تستعيد نفسك، أن تعود كما كنت، لكنك تصرخ في الداخل: لا حياة لمن تنادي.
المبدع الحقيقي لا يأتي ليكرر الواقع، بل ليكسر الجمود ويصنع فرقًا.. ولهذا غالبًا ما يُحارب، لأن وجوده يكشحجم التقصير والروتين الذي اعتاد عليه الآخرون، نخطط كثيرًا من أجل أن نرتقي، لكننا في اللحظة الحاسمة نختار من لا يملك الخبرة، ثم نستغرب لماذا تتعثر مشاريعنا قبل أن تبدأ.
نجتمع لساعات طويلة بحجة النقاش والتطوير، بينما الحقيقة أننا لا نملك رؤية مشتركة تجمعنا، فلكل شخص اتجاه مختلف، وطموح مختلف، وطريقة مختلفة في التفكير. نريد أن نصنع حدثًا كبيرًا، لكننا لا نمنح أنفسنا الوقت الكافي للتحضير.. نعمل بلا خطة واضحة، ثم نبحث عن شماعة نعلّق عليها الفشل.. نختار الأشخاص المناسبين لبناء المشاريع، لكننا لا نوفر لهم أبسط الاحتياجات ولا الدعم الكافي، ثم نطالبهم بنتائج مثالية.
المؤلم أكثر أننا أحيانًا نثق بالغريب أكثر من ابن البلد، ندعم الأجنبي لأنه يمتلك المهارة والخبرة من وجهة نظرنا، فنمنحه الفرص والإمكانيات والراحة، ونقف بجانبه، بينما ابن البلد نحاصره بالشك في قدراته، ونبخل عليه بالدعم، ونخشى نجاحه، وكأن نجاحه لا يمثل نجاحنا جميعًا، البعض لا يدرك أن نجاح القريب لا ينتقص منك، بل يرفعك معه.
لكن للأسف، هناك من يفضّل الغريب لأنه يستطيع التعامل معه بالمصالح والعلاقات الخفية، بينما يرى في نجاح ابن بلده تهديدًا لمكانته أو نفوذه.. نتقرب من الغرباء من أجل المصالح التجارية والمستقبلية، أما القريب فنخشى ظهوره ونجاحه، ونعتبر دعمه نوعًا من التهديد أو الإحراج.
وهكذا نخسر أبناءنا، ونصنع بيئة تطرد الكفاءات بدل أن تحتضنها، لأن بعض المسؤولين لا يملكون الكفاءة الحقيقية لاكتشاف المبدعين، أو ربما لا يريدون ذلك أصلًا.
مشكلتنا ليست في قلة الإمكانيات، بل في طريقة التفكير.. نحب التحضير، لكننا نتأخر دائمًا في التنفيذ، ثم نلوم آخر شخص في السلسلة.. نريد العمل وفق عاداتنا فقط، ونرفض أي أسلوب جديد لأننا اعتدنا الطرق القديمة، مهما كانت نتائجها ضعيفة، نخطط بناءً على العلاقات والمجاملات، لا على الكفاءة والاستحقاق، نختار من نرتاح لهم، لا من يستطيعون النجاح، ونرفض ظهور أي شخص جديد، لأن البعض يؤمن أن التنفيذ والفرص يجب أن تبقى فقط لمن يملك النفوذ أو القرب.
نحب الظهور بالقرب من المسؤول، ونظن أن النجاح يأتي من خدمة أصحاب المناصب فقط، بينما الحقيقة أن النهضة تبدأ بدعم أصحاب الأفكار، والقادة الحقيقيين، والمبدعين القادرين على التغيير.. فليس كل مسؤول قائدًا، وليس كل قائد يحمل منصبًا.
النجاح لا يُبنى بالمجاملات، ولا بالعلاقات، ولا بمحاربة الطموحين، بل يُبنى بالثقة، والتخطيط، والعدالة، واحترام أصحاب الفكر والعمل.
وما لم نتعلم كيف ندعم بعضنا، ونؤمن بقدرات شبابنا، ونتقبل الشخص الطموح بدل محاربته، فسنظل نكرر الأخطاء نفسها، ونكتب مشاريع جميلة على الورق… لكنها لا ترى النور أبدًا.



