غزّة .. أرض الصمود والثبات

محمد بن سعيد العلوي
في زمنٍ اختلطت فيه المواقف، وتقدّمت فيه المصالح على كثيرٍ من المبادئ، تقف غزة اليوم نموذجًا استثنائيًا للصمود والثبات، لتعيد إلى الواجهة معاني الكرامة الإنسانية والإيمان بالحق مهما اشتدت الظروف وتعاظمت التحديات.
فغزة لم تعد مجرد مدينةٍ تعيش تحت الحصار أو ساحةٍ تتكرر فيها مشاهد الحرب والدمار، بل أصبحت رمزًا لمعاناة شعبٍ يتمسك بأرضه وحقوقه وهويته رغم ما يواجهه من ظروفٍ إنسانية قاسية. وما يعيشه أهلها اليوم يتجاوز حدود الحدث العابر أو الخبر المؤقت، ليشكل قضيةً إنسانية وأخلاقية تستدعي وقفة ضمير من العالم أجمع.
هناك، وسط الركام والألم، يواصل الفلسطينيون حياتهم بإرادةٍ لافتة، متمسكين بالأمل والإيمان، رغم فقد الأحبة والمنازل والأمن والاستقرار. ورغم اتساع حجم المأساة، ما زالت غزة تقدم صورًا نادرة للصبر والثبات، في مشهدٍ يعكس قوة الإنسان حين يتمسك بحقه وكرامته.
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
سورة آل عمران: 139
إنّ ما تشهده غزة اليوم يضع العالم أمام اختبارٍ حقيقي للعدالة والإنسانية، ويطرح تساؤلاتٍ كبيرة حول قدرة المجتمع الدولي على حماية المدنيين وصون الحقوق الأساسية للشعوب. فالقضية الفلسطينية لم تكن يومًا قضية شعبٍ وحده، بل قضية ترتبط بالعدالة والكرامة وحق الإنسان في الحياة بحرية وأمان.
وفي خضم هذه الأحداث، برزت مواقف إنسانية وسياسية عديدة عبّرت عن التضامن مع الشعب الفلسطيني، سواء من شخصيات دينية أو سياسية أو رياضية أو ثقافية، في تأكيدٍ على أن القضية الفلسطينية ما زالت حاضرة في وجدان الأحرار حول العالم.
ومن بين هذه المواقف، الموقف الثابت لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، مفتي سلطنة عُمان، الذي أكد في أكثر من مناسبة أهمية الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني والدعوة إلى نصرة المظلومين، مشددًا على البعد الديني والإنساني للقضية الفلسطينية، وضرورة الحفاظ على وحدة الموقف الإسلامي تجاهها.
كما لفتت مواقف بعض الشخصيات الرياضية العالمية الأنظار، ومن بينها النجم الإسباني الشاب لامين يامال، لاعب برشلونة، الذي عبّر عن تضامنه مع فلسطين برفع العلم الفلسطيني خلال احتفالات فريقه، في مشهدٍ حمل رسالةً إنسانية مؤثرة تؤكد أن القضية الفلسطينية ما زالت حيّة في ضمير كثير من أحرار العالم، رغم كل محاولات التهميش والتغييب.
كما شهدت الساحة الدولية مواقف متضامنة أخرى من شخصيات سياسية ورياضية وفكرية عبّرت عن رفضها لمعاناة المدنيين ودعت إلى احترام الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني، في تأكيدٍ على أن العدالة والكرامة الإنسانية قيمٌ لا يمكن تجاهلها أو إسكات الأصوات المطالبة بها.
إنّ أهل غزة اليوم لا يحتاجون فقط إلى التعاطف العاطفي، بل إلى استمرار الاهتمام بقضيتهم، والعمل على دعم حقوقهم الإنسانية المشروعة، والتأكيد على ضرورة إنهاء معاناة المدنيين، وتمكين الشعب الفلسطيني من نيل حقوقه المشروعة والعيش بحرية وكرامة فوق أرضه.
وفي المقابل، سيبقى التاريخ شاهدًا على المواقف؛ مواقف من اختاروا نصرة الحق والدفاع عن القيم الإنسانية، ومواقف من آثروا الصمت أمام مشاهد المعاناة والدمار. فالقضايا العادلة لا تسقط بالتقادم، والضمير الإنساني يبقى حيًا مهما حاولت السياسة تغييب صوته.
وفي الختام، ستبقى غزة عنوانًا خالدًا للصمود والثبات، وسيبقى الشعب الفلسطيني شاهدًا حيًا على أن الحق لا يموت مهما طال الظلم أو اشتدت المحن. فالأرض التي رويت بدماء الأبرياء وتضحيات الأحرار لا يمكن أن تُنسى أو تُنتزع من وجدان أصحابها، وستظل فلسطين قضيةً حيّة في ضمير الأمة والأحرار حول العالم حتى يستعيد أهلها حقوقهم كاملةً وأرضهم المسلوبة، وينعموا بالحرية والكرامة فوق ترابهم الوطني.
تحية إجلالٍ لكل من وقف مع فلسطين بكلمةٍ صادقة أو موقفٍ مشرّف أو دعاءٍ مخلص، فالقضايا العادلة لا تسقط بالتقادم، والحق مهما طال الزمن لا بد أن يعود إلى أهله وأصحابه.



