نبهان وطنًا يحمل همّ وطن
عبدالله الحنشي
أعلم يقيناً بأن هناك ثوابت في هذه الدنيا، ومنها الحياة والموت، الولادة والفناء. وأن الإنسان مهما طال عمره فالموت هو مآله. نعرف هذا، ونردده، ونُعزّي به غيرنا، ونتقبّله بعقولنا قبل أن تمتحنّا به الأيام.
هناك أبيات كانت عمتي سالمة بنت فهيم — رحمها الله — ترددها دائماً، وكأنها كانت تُهيّئنا لما لا بد منه. كانت تقول:
تمتّع بالرقاد على اليسار
فنومُك قد يطولُ على اليمين
ألا يا نفسُ ويحكِ أخبريني
حديثاً صادقاً ما تكذبيني
فإنّ الموتَ مكتوبٌ علينا
ولو عُمِّرتَ ألفاً من سنين
ولو عُمِّرتَ عُمرَكَ عُمرَ نوح
تكادُ النفسُ من عِلمِ اليقين
ولكن رغم هذا اليقين كله، إلا أن فاجعة الموت حين تنزل، تنزل بثقلها كاملاً. تنسيك ما كنت تعرف، وتُسكت ما كنت تردد، ولو للحظات. لحظات يتوقف فيها العقل عن التفسير، ولا يبقى إلا القلب وحده يواجه الحقيقة عارياً.
رحل الكثير ممن نعرف في حياتنا، وحزنّا عليهم كثيراً. لكن رحيل أخي نبهان مختلف. رحيله أحدث شرخاً في قلوبنا لن ينبرئ.
نبهان لم يكن أخاً أكبر فقط، بل كان قامة بكل ما تحمله الكلمة. وُلد في جعلان بني بو حسن، تلك الولاية العمانية العريقة التي شكّلت وجدانه وزرعت فيه حب الأرض والإنسان. كان صاحب شخصية لا تُنسى، قوي القلب، ثابت الرأي، لا يساوم على مبادئه ولا يُهادن في قناعاته. رجلٌ إذا آمن بشيء، مضى فيه حتى النهاية مهما كان الثمن.
لم يكن نبهان يوماً متفرجاً على ما يدور حوله. كان ضميره أسبق من قدميه. آمن بأن الإنسان يستحق أن يعيش بكرامة، وأن الصمت على ما لا يرضاه ليس من طبعه. مضى في طريقه رغم كل شيء، لم يتراجع ولم يتبدّل.
قادته قناعاته إلى الغربة، فتنقّل بين عواصم عدة على مدى أربع عشرة سنة. حمل الماجستير في القانون الدولي، ووظّف علمه وقلمه في خدمة ما آمن به. لم يكن علمه أكاديمياً فحسب، بل كان أداته في مسيرة فرضها عليه ضميره.
كان يحب وطنه حباً لا يعرف المجاملة، ويحمل القضية الفلسطينية في قلبه كأنها قضيته الشخصية. لم يكن إيمانه بها كلاماً يُقال في المجالس، بل كان إيماناً حقيقياً دفع ثمنه من عمره وراحته. تحمّل الغربة قرابة أربع عشرة سنة، بعيداً عن أهله ووطنه، في سبيل القضايا التي آمن بها ودافع عنها بكل ما يملك.
ولم يكن نبهان مناضلاً فحسب، بل كان كاتباً وأديباً يجد في الأدب مساحة للتوازن أمام قسوة التجربة. أحبّ الشعر — خاصة المتنبي ودرويش — وكتب القصة القصيرة، وكان قارئاً نَهِماً لا يهدأ. جمع بين قلم الأديب وصوت المناضل، فكانت كلماته سلاحاً آخر في معركته من أجل الكرامة الإنسانية.
وفي ديسمبر ٢٠٢٥، وبعد أربع عشرة سنة من الغربة، قرر نبهان العودة. عاد إلى جعلان، إلى ترابه وأهله، بعد أن أنهكه صراع طويل مع المرض. عاد ليكون قريباً ممن أحبّهم.
ظهر يوم الجمعة. يتصل بي أخي محمد:
“عبدالله، نبهان تعبان. جاءت الإسعاف وأخذته للمستشفى. حالياً معه برهان وطه.”
أبلغته بأن إن شاء الله عارض وسيرجع للبيت. يردّ عليّ بكلمات لم أكن مستعداً لها:
“أنا أخبرك عشان تحسب حسابك. أحسّ نبهان كثير تعبان.”
كلمات أخي محمد وقعت عليّ كالصاعقة، لكنني حاولت أن أتمالك نفسي. أن أتعامل مع الأمر بثبات. يقيناً أن أقدار الله لا مفرّ منها، وأن نبهان سوف يرجع إلى البيت معافى بإذن الله. هكذا كنت أحدّث نفسي. هكذا كنت أريد أن أصدّق.
قبيل المغرب، اتصلت بمحمد من جديد أعاتبه، لأنه أبلغ بقية إخوتي بالخبر، مما اضطر أخي الأكبر خالد للخروج من البريمي متجهاً إلى جعلان. كنت أظن أن الأمر لا يستدعي كل هذا. كنت أظن.
طال السهر تلك الليلة. لم يُجافلني النوم إلا بعد الساعة الواحدة. وخلال تلك الساعات الطويلة، لم تتوقف اتصالاتي — تارةً لبرهان، ثم لطه، وأحياناً لأيوب ومحمد. أريد أن أعرف ما الوضع، كيف الأحوال، هل تحسّن. غفوت غير مدرك بما ينتظرني.
توالت الاتصالات منذ الساعة الثالثة ليلاً. طه. برهان. أحمد. لكنني لم أجب — ولسبب لا أعلمه كان هاتفي على الوضع الصامت. لم أستيقظ إلا على اتصال أيوب.
أبلغت زوجتي أم مريم بالخبر. تجهّزنا من حينها سريعاً للانطلاق. صلّينا الفجر في الطريق. ووصلنا إلى جعلان قرابة الساعة السادسة والنصف.
كان أول شيء فعلته بعد دخولي هو البحث عن أبي. لأنني أعلم يقيناً بأن ليس هناك أغلى من نبهان على قلب أبي. وأعلم كيف سيكون ألم الفقد عظيماً عليه. ذهبت إليه مسرعاً، احتضنته بقوة وهو يبكي:
“راح الغالي.”
وأنا أردد وصوتي يتكسّر: “عليك بالدعاء… هو يحتاج منّا الدعاء.”
ذهبت بعدها لرؤية نبهان. أخذني أحد إخوتي — لا أعلم من هو. دخلت عليه. عمر على شماله يقرأ القرآن عليه. يس على يمينه. وخالد ومحمود عند رأسه. جلست بجانب يس. لم أستطع تمالك نفسي. يُشير إليّ خالد لرؤيته… لم أستطع ذلك.
بعد وقت قصير، يدخل طه وهو يردد: “يلّا نغسّله.”
أخذناه ليتم غسله. كان الكل حوله قُبيل ذلك — إخوته، وأبناء عمومته، وأبناء إخوته. كان جسده أبيض بياضاً ناصعاً، وكأن وداعه لنا كما كانت سيرته — نقياً، صافياً، لا يشوبه شيء.
تمّ غسله، وأخذناه إلى المسجد للصلاة عليه. وقفت أمامه. ناديت على إخوتي ليكونوا أول الواقفين. سألت عن أبي وقد كان يتوضأ. ناديت عبدالله مبارك ليؤمّ الصلاة، وهو يقول لي: “هناك غيري.” فأخبرته بأن هذا ما أشار إليه أبي — بأنك من سوف تصلّي عليه.
تمّت الصلاة ببكاء ودعاء… ثم أخذناه لنواريه خلف التراب.
في كل العزاءات التي حضرتها في حياتي، كان المُعزّون يأتون لتعزية أهل الفقيد. إلا في عزاء نبهان. كان أغلب المُعزّين جاؤوا ليُعزّوا أنفسهم. لم يكونوا يواسوننا بقدر ما كانوا يبحثون عمّن يواسيهم. وهذا وحده يقول كل شيء عن نبهان — عن المكانة التي حفرها في القلوب، لا بمنصب ولا بجاه، بل بإنسانيته وصدقه ومبادئه.
يا نبهان، رحلت وتركت فراغاً لن يملأه أحد. رحلت وبقيت مبادئك شاهدة عليك، وبقي كل من عرفك يحمل في قلبه قطعة منك. أربع عشرة سنة من الغربة لم تُبدّلك، والمرض لم يكسرك. بقيت كما عرفناك — صادقاً، هادئاً، ثابتاً — حتى النَّفَس الأخير.
ولمن عرف نبهان أقول: من رحل بهذه المكانة في القلوب، لم يمت حقاً. الموت يأخذ الجسد، لكنه يعجز أمام الأثر الذي يتركه إنسان صادق في حياة كل من حوله. عُمان التي اختلفت حول نبهان في حياته، احتضنته بعد رحيله، وأجمع كثيرون على وداعه بوصفه ابناً لها. وفي هذا المعنى، لم تكن عودته الأخيرة مجرد نهاية، بل كانت لحظة اتسعت فيها فكرة الوطن — ذلك الوطن الذي ربطه نبهان دائماً بالإنسان وكرامته.
رحمك الله يا نبهان، وأسكنك فسيح جناته. رحلتَ لكنك لم تغب.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون



