الأربعاء: 22 أبريل 2026م - العدد رقم 2893
مقالات صحفية

عُمان في علم النفس السياسي: حين ينتصر العقل على العاطفة

علي بن مبارك بن خلفان اليعربي

في مشهدٍ خليجيّ تتسارع فيه الاصطفافات، تبدو عُمان وكأنها تسير بإيقاعٍ مختلف.
غير أن هذا الاختلاف، في حقيقته، ليس خروجًا عن السياق، بل تعبيرٌ عن فهمٍ أعمق لطبيعة السياسة حين تُقرأ بوعيٍ يتجاوز الانفعال، وهو ما يفسّره علم النفس السياسي بوصفه تمييزًا بين منطق الدولة ومنطق العاطفة.
ليست عُمان دولة تبحث عن موقعٍ داخل صراع، بل دولة تدرك أن موقعها ذاته جزءٌ من المعادلة.
فالإشراف على مضيق هرمز لا يمنحها رفاهية الانخراط في التوترات، بل يحمّلها مسؤولية تجنّبها. هنا، يصبح الهدوء موقفًا، والتوازن خيارًا استراتيجيًا لا مجاملة سياسية.
وفي العمق، لا يمكن فصل هذا السلوك عن ذاكرةٍ تاريخيةٍ ممتدة.
فعُمان التي عبرت البحار ووصلت إلى شرق أفريقيا، لم تكن مجرد امتدادٍ جغرافي، بل تجربة إنسانية صاغت عقلًا يتقن الحضور دون الذوبان، ويوازن بين الانفتاح والحفاظ على الخصوصية.
ومن هذا المنطلق، لا تنظر عُمان إلى العالم بمنطق الثنائيات الحادة، ولا ترى السياسة ساحةً لاصطفافٍ دائم.
هي أقرب إلى دولةٍ تُدير علاقاتها وفق مبدأ بسيط أن تبقى قادرة على الحديث مع الجميع، دون أن تتحول إلى صدى لأحد.
ومن هنا تبدو علاقتها بإيران مختلفة في نظر البعض، بينما هي في حقيقتها منسجمة تمامًا مع نهجها العام.
فهي لا تُعرّف نفسها من خلال خصومات الآخرين، ولا تبني مواقفها على إيقاع الصراع، بل على حسابات الاستقرار واستشراف المآلات.
لكن الإشكال، في كثير من الأحيان، لا يكمن في الفهم السياسي ذاته، بل في تداخل العاطفة مع الحكم.
فحين تُقاس مواقف الدول بميزان المشاعر، يضيق الأفق، ويُساء تفسير التوازن على أنه تردد، أو يُفهم الحوار على أنه انحياز.
بينما الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.
فالدولة، في منطقها العميق، لا تتحرك بدافع الانفعال، بل وفق حسابات دقيقة تُراعي الاستقرار، وتستشرف النتائج.
وقد تختار الهدوء في لحظةٍ يعلو فيها الضجيج، لا لأنها غائبة، بل لأنها ترى ما لا يُرى في لحظة الانفعال.
وقد تُبقي أبواب التواصل مفتوحة، لا لأنها منحازة، بل لأنها تدرك أن القطيعة لا تُنتج حلولًا.
وهنا تتجلى الفكرة بوضوح:
ليس كل هدوءٍ حيادًا سلبيًا، ولا كل تواصلٍ انحيازًا خفيًا.
بل قد يكون الهدوء أعلى درجات الحكمة، وقد يكون التواصل أداةً لتقليل الخسائر لا لتغيير الانتماءات.
عُمان، في هذا السياق، لا تقدّم نفسها طرفًا في الصراع، بل مساحةً لتخفيفه،
ولا ترى في السياسة ساحةً لإثبات المواقف، بقدر ما تراها مسؤوليةً لحفظ التوازن.
ختاما اختلاف عُمان ليس خروجًا عن محيطها،
بل تعبيرٌ عن وعيٍ يفصل بين العاطفة والسياسة،
ويجعلها تحافظ على توازنها ، في منطقةٍ تميل إلى الاختلال.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights