الخميس: 16 أبريل 2026م - العدد رقم 2887
مقالات صحفية

حين يُصادر العقل بإسم الاتباع

   سليمان بن حمد العامري 

في مستهل الحديث، لا بد من الإقرار بأن من أكثر ما يؤلم في واقع الناس اليوم ليس مجرد اختلافهم، ولا تعدد آرائهم، بل ذلك الانحدار الهادئ في طريقة التلقي والفهم، حيث تحول كثير من الناس من باحثين عن الحقيقة إلى مكررين لها، ومن متأملين إلى ناقلين، حتى صار القول يُتداول بلا تمحيص، ويُبنى عليه حكم، وتُشعل به فتنة، وكأن العقول قد أُعفيت من وظيفتها أو صودرت باسم الاتباع.

ومن هذا المنطلق، فإن الخطر لا يكمن في الخطأ ذاته، فكل إنسان معرض للزلل، ولكن الخطر الحقيقي يكمن في أن يُمارس الخطأ بثقة، وأن يُنقل القول بلا وعي، وأن يُلبس الجهل لباس العلم، فيصبح الإنسان خصمًا للحقيقة وهو يظن أنه من أهلها.

وتأسيسًا على ذلك، يبرز سؤال جوهري:

هل التفكير في الإسلام ترفٌ خاص بالفقهاء والباحثين الأكاديميين، أم هو تكليف لعامة الناس؟ إن المتدبر لخطاب القرآن الكريم يدرك أن العقل ليس أمرًا ثانويًا في بنية الهداية، بل هو أحد أعمدتها الكبرى، فقد تكررت النداءات التي تستنهض الفكر الإنساني في مواضع شتى. قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وهي خطابات موجهة إلى الإنسان بما هو إنسان، لا إلى فئة دون أخرى.

غير أن ذلك لا يعني فتح الباب للفوضى في القول، ولا الإذن لكل أحد أن يخوض في كل مسألة بلا علم أو أداة، إذ إن الشريعة فرقت بين مجال يُطلب فيه التفكر والتدبر، ومجال آخر يتطلب أدوات علمية دقيقة. ولهذا ينبغي الرجوع إلى أهل الاختصاص عند الجهل، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

وانطلاقًا مما سلف، يتبين أن المشكلة ليست في التفكير ذاته، بل في غيابه من جهة، وفي التجرؤ غير المنضبط من جهة أخرى، حيث عطل قوم عقولهم واكتفوا بالتلقي، بينما اندفع آخرون إلى القول بلا تأصيل ولا تحقق، فاختلطت الأصوات وغاب الميزان.

وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أن الاختلاف بين الفقهاء والعلماء لم يكن يومًا عداوة، ولا سببًا للفرقة، بل كان في حقيقته بابًا من أبواب السعة ومجالًا رحبًا لاجتهاد العقول. وعلى العكس من ذلك، فإن تحويل الاختلاف إلى صراع إنما هو نتيجة سوء الفهم، لا طبيعة الاختلاف ذاته.

وتفسيرًا لذلك، فإن الخلاف المنضبط بالدليل يدعو إلى مزيد من البحث، وينمي القدرة على النظر والترجيح، لا على التعصب والانغلاق، فمن أحسن فهم الاختلاف، جعله طريقًا إلى المعرفة، ومن أساء فهمه، حوله إلى أداة للفرقة والخصومة.

وفي مقابل ذلك، يلاحظ في واقعنا المعاصر أن كثيرًا من الناس لم يعد يتلقى تصوراته عن الشعوب، ولا أحكامه على الجماعات، من مصادر موثوقة، بل من محركات البحث وما يُتداول فيها، مع غفلة عن طبيعة هذه الوسائط التي قد تُبرز ما يُراد له الظهور، وتُخفي ما سواه.

ومن الجدير بالملاحظة أن هذا النمط من التلقي السريع ينتج أحكامًا سطحية، وآراءً متعجلة، تُبنى على أول نتيجة، لا على تحقيق أو تمحيص.

وبناءً على ذلك، كان لزامًا على الإنسان، لاسيما المسلم، أن يكون يقظًا في مصادره، متحققًا في أحكامه، فلا يجعل ما يظهر له هو الحق المطلق، ولا يبني تصوراته على نقولات مجهولة أو معلومات غير محققة.

وفي هذا الإطار، إذا لم يجد الإنسان المصدر الموثوق، ولم يملك أدوات التحقق، فإن الصمت حينئذٍ ليس نقصًا، بل كمال في العقل، وعبادة يتقرب بها إلى الله، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت».

واستخلاصًا لما سبق، يتبين أن الميزان الحق يقوم على أن ليس كل ما يُقال يُتبع، ولا كل ما يُنشر يُصدق، بل الواجب اتباع القول السليم المبني على علم وعدل وتحقق.

وخلاصة القول، إن الإنسان لا ينجو في زمن الفتن وكثرة الأقوال إلا إذا جمع بين أصلين عظيمين، التثبت قبل الحكم، والصمت عند الجهل، فبهما يستقيم العقل، ويصفو النظر، ويقترب الإنسان من الحق.

وفي الختام، فإن العقل في التصور الإسلامي أمانة، لا يُقبل تعطيله، ولا يُعذر صاحبها في إهماله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، فإما أن يكون وسيلة للهداية، أو بابًا للضلال، بحسب ما يُحسن الإنسان استعماله.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights