الإثنين: 13 أبريل 2026م - العدد رقم 2884
مقالات صحفية

إلى المربي الرقمي: التربية ليست للبيع!!

(الجزء الأول)

سالمة بنت هلال الراسبية ـ كاتبة وباحثة تربوية  أول – قسم التوعية والإرشاد الطلابي – بتعليمية جنوب الشرقية

(الجزء الأول)

بينما نجد في أروقة مدارسنا المعلمين والمعلمات منهمكين في أداء رسالتهم التعليمية بأقصى درجات الإخلاص والانضباط المهني؛ من بناء التحصيل العلمي، وتصحيح الأعمال، وإعداد أدوات القياس، إلى مواكبة التحولات الرقمية بوعي تربوي مسؤول، تمضي إلى جانبهم فئةٌ أخرى لا تقل أثرًا، وإن غابت عن دائرة الضوء؛ إذ ينهض العاملون في بقية الوظائف بأدوار محورية تُحكم انتظام المشهد التعليمي، من تنظيم البيئة المدرسية، وضبط الإيقاع الإداري، وإدارة الجوانب الفنية والتقنية والبحثية، إلى تهيئة المرافق، وضمان انسيابية العمل اليومي، وصون النظام والانضباط، في منظومة متكاملة تحفظ للمؤسسة التعليمية توازنها وقدرتها على الإنجاز.
غير أن هذا البناء الرصين يتعرض اليوم لاهتزازٍ مقلق بفعل ضجيجٍ رقمي متصاعد، تصنعه بعض الممارسات الفردية غير المسؤولة على منصات التواصل الاجتماعي؛ حيث تُعاد صياغة صورة الوظيفة التربوية بصورة سطحية ومشوّهة، تُختزل فيها الرسالة إلى استعراضٍ إعلامي وبروباغندا عابرة على شاشات المحمول.
ولا يقف خطر هذا الانحراف عند حدود تشويه الوعي التعليمي فحسب، بل يمتد ليطال منظومة الأمن بمختلف أبعاده؛ إذ يهدد الأمن الفكري عبر زعزعة الثوابت، ويقوّض الأمن القيمي والأخلاقي عبر تطبيع سلوكيات دخيلة على مجتمعنا مخالفة للأعراف والتقاليد، كما ينعكس على الأمن الاجتماعي بإضعاف الثقة بالمؤسسات التربوية، وقد يتسلل أثره إلى الأمن الوطني حين يُنتج أجيالًا مضطربة الهوية، هشة الانتماء، سهلة التأثر بالخطابات المنحرفة، مخطوفة الإدراك لما حولها من واقع.
إننا أمام مسار لا يحتمل التهاون؛ فالتلاعب بصورة التعليم –كما يبدو لنا- ليس مجرد انحراف عابر، بل مدخلٌ خطير لإعادة تشكيل وعي الأجيال خارج أطره الصحيحة، بما يهدد استقرار المجتمع، ويقوّض منظومة القيم التي تشكّل سوره الحامي وركيزته الراسخة.
إن هذا التداخل بين قدسية الواقع التربوي وفوضى الفضاء الرقمي يُفضي إلى تشويه حاد لصورة التربوي في وعي الطالب، حين تُقدَّم نماذج محسوبة على التعليم وهي تبث محتوى منحرفًا ومثيرًا للسخط المجتمعي، وهو انزلاق خطير يضرب الأمن القيمي مباشرة، ويُرسّخ قناعة زائفة بأن الانفلات المهني مقبول، في تصادمٍ صارخ مع القيم الوطنية والتربوية.
وعند التحدث بلغة الأرقام، تكشف تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن واقع مقلق لفئة عمرية حرجة بين 10 و15 عامًا، حيث أصبح التعرض للمحتوى الضار على شبكات التواصل الاجتماعي متفشيًا بشكل يهدد سلوكهم ونموهم المعرفي.
والأدهى أن نحو 90٪ منهم يلتزمون الصمت أمام هذه التأثيرات العميقة، مما يضاعف حجم الخطر ويزيد فجوة الوعي بينهم.
هذه الأرقام الصادمة ترسم صورة حقيقية لأزمة حماية القيم والسلوك، وتنذر بانزلاقات أخلاقية قد يصعب ضبطها في المستقبل.
وضمن السياق الوطني العماني، يكشف استطلاع المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بالتعاون مع وزارة التعليم في 2024م أن نحو 78٪ من الأطفال والمراهقين دون 18 عامًا يقضون أوقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، وأن أكثر من نصف أولياء الأمور يشعرون بالقلق الشديد، خوفًا من تعرض أبنائهم لمحتوى غير لائق، والتنمر الإلكتروني، والإدمان الرقمي.
وقد يمتد الخطر إلى الاستدراج والاستغلال، لتصبح براءة الأطفال الرقمية بلا حماية أمام حملات الاستغلال الأخلاقي والمادي.
والأسوأ من ذلك، أن بعض مصادر الانحراف تأتي من مربيين رقميين وشخصيات تربوية يُفترض أن يكونوا قدوة، فإذا بهم يحوّلون منصاتهم الرقمية إلى أدوات لنشر القيم المشوهة والانحراف، يزرعون في وعي الطلبة مفاهيم خاطئة ويهدمون الأمن القيمي والاجتماعي الذي يقوم عليه مجتمعنا.
هذه الحقيقة ليست مجرد أرقام على الورق، بل واقع يومي يعيشه الأهل، حيث يتسلل التأثير السلبي إلى سلوك الأبناء وقيمهم وتكوينهم النفسي، في بيئة رقمية سريعة تفوق قدرة أي رقابة.
لذلك، أصبحت حماية النشء والتدخل التوعوي أمرًا عاجلًا لا يحتمل التأجيل، وإلا فإن الانزلاقات ستتضاعف وتتحول إلى كارثة تهدد الهوية والمجتمع.
لم يعد بالإمكان التعامل مع هذه الممارسات بوصفها حالات فردية عابرة؛ بل هي انحرافات صارخة حين تصدر من فئة يُفترض أنها الحارس الأول للقيم، كأن يتحول بعض المنتسبين للمجال التربوي إلى ناشري محتوى غير لائق أو إيحائي، يشمل إيحاءات لفظية وجسدية غير سوية، وتصرفات لا تُقبل في المجتمع العُماني، وتصديرها على أنها غير متعمدة، بهدف زيادة التفاعل، مع يقينهم بوصوله إلى الأطفال والمراهقين، فذلك اختلال خطير في الوعي المهني، يقع ضمنيًا في عمق دائرة الجرائم الإلكترونية.
والأسوأ حين يُستكمل هذا المسار بنشر مواد جدلية خارج السياق التعليمي، أو استخدام خطاب هجومي ينسف أبسط قواعد التربية، بل ويصل إلى استغلال الطلبة كمحتوى رقمي في حساباتهم الخاصة، دون إذن من أولياء أمورهم، في انتهاك صارخ لخصوصياتهم، بحجة التوثيق في منصة إجادة، في تحدٍ واضح للأنظمة والتعليمات الرسمية.
وعلى الرغم من أن المربين الرقميين يشكلون فئة محدودة عدديًا، إلا أنهم على المنصات الرقمية يظهرون كـ ‘مؤثرين’ يتابعهم عدد متزايد من الأطفال والمراهقين.
تأثيرهم على هذه الفئة العمرية خطير، وله أبعاد اجتماعية ونفسية على المدى الطويل.
يستغل بعضهم منصاتهم، مستندين إلى الوظيفة التربوية، لتحقيق المال والشهرة بوسائل تتجاوز الحدود الأخلاقية والمهنية.
يقومون بنشر محتوى غير لائق، وإيحاءات مشوهة، وخطاب جدلي خارج نطاق التربية، مستغلين البراءة الرقمية للفئات العمرية الهشة لنشر الانحراف وتشويه القيم الأساسية.
وهذا لا يتعارض مع السعي المشروع لكسب الرزق، لكن الاستغلال بهذه الصورة يضر بمصداقيتهم، ويهدم هيبة المهنة التربوية، ويغرس أنماطًا سلوكية سطحية وعدوانية تتمرد على المجتمع وعاداته وأعرافه، ويضع مستقبل القيم والمجتمع برمته على المحك.

▪︎ سنكمل ماتبقى من نص هذا المقال في الجزء الثاني بإذن الله.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights