مقالات صحفية

نقطة أول السطر .. ثَمَّةَ لحظةٌ خفيّةٌ بين سطور القصة  

 عادل بن حميد الجامعي

يقول العلي العظيم على لسان الطاغية في مواجهة سيدنا موسى:

(وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ)

لم يناقشوا الدعوة بل فسّروا النوايا.. وفرعون لم يرَ في سيدنا موسى عليه السلام حقًا يُناقش، بل رأى دافعًا يشبه ما يسكنه وهو: حبّ العلو، المفارقة.. الطاغية لا يتهمك بما أنت عليه.. بل بما يخشاه في نفسه.

ويسمّي علم النفس هذا النمط الإسقاط النفسي، ووصف بأنه آلية دفاعية حيث ينسب الإنسان عيوبه الداخلية إلى غيره ليتخفف من مواجهتها! وتؤكد دراسة في مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي: أن من يعاني تهديدًا داخليًا لصورته عن ذاته، يميل إلى تفسير سلوك الآخرين بصورة متعالية أو عدائية، حتى دون دليل.

وفي دراسة أخرى حول الوعي الذاتي والإدراك الاجتماعي: تبيّن أن ازدياد وعي الإنسان بذاته يقلّل من هذا الإسقاط، ويجعله أدقّ فهمًا لنوايا الآخرين، بعبارة يسيرة: حين يضطرب الداخل.. يختلّ تفسير الخارج.

فرعون لم يقل: أنتم مخطئون، وإنما قال: أنتم تريدون الكبرياء! لم يناقش الفكرة، بل كشف نفسه دون أن يشعر.. وهذا قد يتكرر في حياتنا: نُحمّل الناس ما فينا من هموم، ونُفسّر أفعالهم بظلالنا .

فرعون لم يكن يرى سيدي موسى.. بل كان يرى نفسه في صورة أخرى.. وهذا ما يجعل الطغيان أحيانًا خللًا في الرؤية، لا في الموقف فحسب، فإذا وجدت نفسك تُكثر من اتهام الناس بنوايا لا تراها.. فتأنَّ قليلًا.. ربما لا تحتاج أن تفهمهم أكثر.. وإنما أن تُنصت إلى شيءٍ فيك لما يُفهم بعد، وفي نهاية المطاف، ليست القضية أن يكون في الأرض من يطلب الكبرياء..! فذلك داء قديم..

لكن القضية الأشدّ خفاءً:

أن تظن أن كل من حولك مريضٌ بما فيك، وهنا .. يبدأ فرعون من جديد .. اللهم نسألك اللطف والسلامة من أمراض القلوب.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights