الأَنْشِطَةُ الْمَدْرَسِيَّةُ وَصِنَاعَةُ الِانْتِمَاءِ العُمانِيِّ

د. مُحَمَّد الزُّفَيْتِي
فِي ظِلِّ التَّحَوُّلَاتِ المُتَسَارِعَةِ الَّتِي يَشْهَدُهَا العَالَمُ، لَمْ تَعُدِ المَدْرَسَةُ مَكَانًا لِنَقْلِ المَعْرِفَةِ فَحَسْبْ، بَلْ أَصْبَحَتْ بِيئَةً تَرْبَوِيَّةً مُتَكَامِلَةً تُسْهِمُ فِي بِنَاءِ الإِنْسَانِ وَتَشْكِيلِ وَعْيِهِ وَتَعْزِيزِ انْتِمَائِهِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تَبْرُزُ الأَنْشِطَةُ المَدْرَسِيَّةُ بِوَصْفِهَا مَجَالًا حَيًّا تَتَجَسَّدُ فِيهِ القِيَمُ، وَتُتَرْجَمُ فِيهِ مَعَانِي الهُوِيَّةِ العُمانِيَّةِ إِلَى مُمَارَسَاتٍ يَوْمِيَّةٍ.
يُبْهِرُكَ عِنْدَمَا تُشَاهِدُ فِي فَعَالِيَّةٍ مَدْرَسِيَّةٍ عَرْضًا طُلَّابِيًّا يَسْتَحْضِرُ مَلَامِحَ التُّرَاثِ العُمانِيِّ، حَيْثُ يَقِفُ الطَّلَبَةُ لَا لِعَرْضِ مَشْهَدٍ فَنِّيٍّ فَحَسْبْ، بَلْ لِتَجْسِيدِ قِيمٍ أَصِيلَةٍ كَالِاعْتِزَازِ بِالتَّارِيخِ وَالانْتِمَاءِ لِلْهُوِيَّةِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَاتِ، يَتَحَوَّلُ التُّرَاثُ مِنْ مَعْرِفَةٍ مُجَرَّدَةٍ إِلَى خِبْرَةٍ مَعِيشَةٍ تَتَشَكَّلُ فِي وَعْيِ الطَّلَبَةِ.
وَتَلْفِتُ الاِنْتِبَاهَ مَوَاقِفُ أُخْرَى حِينَ يُشَارِكُ الطَّلَبَةُ فِي تَنْظِيمِ مُبَادَرَةٍ تَطَوُّعِيَّةٍ دَاخِلَ المَدْرَسَةِ أَوْ خَارِجَهَا، فَيَتَعَلَّمُونَ قِيمَ العَطَاءِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ وَخِدْمَةِ المُجْتَمَعِ، كَمَا تَتَنَامَى لَدَيْهِمْ مَهَارَاتُ المُبَادَرَةِ وَرُوحُ رِيَادَةِ الأَعْمَالِ مِنْ خِلَالِ التَّخْطِيطِ وَالتَّنْفِيذِ وَتَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ.
كَمَا تَتَجَلَّى مَعَانِي الِانْتِمَاءِ فِي أَنْشِطَةٍ تُتِيحُ لِلطَّلَبَةِ التَّعْبِيرَ عَنْ آرَائِهِمْ وَمُنَاقَشَةَ قَضَايَا تَمَسُّ مُجْتَمَعَهُمْ، حَيْثُ يُمَارِسُونَ التَّفْكِيرَ النَّقْدِيَّ فِي تَحْلِيلِ المَوَاقِفِ، وَيُطَوِّرُونَ قُدْرَتَهُمْ عَلَى طَرْحِ الحُلُولِ وَاتِّخَاذِ القَرَارَاتِ بِوَعْيٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ.
وَفِي مَشَاهِدَ أُخْرَى، يَنْخَرِطُ الطَّلَبَةُ فِي أَنْشِطَةٍ تُحَفِّزُهُم عَلَى الإِبْدَاعِ، فَيُقَدِّمُونَ أَفْكَارًا مُبْتَكَرَةً، وَيُعَبِّرُونَ عَنْ رُؤَاهُمْ بِطُرُقٍ مُتَنَوِّعَةٍ، مِمَّا يُسْهِمُ فِي بِنَاءِ شَخْصِيَّةٍ وَاثِقَةٍ قَادِرَةٍ عَلَى التَّجْدِيدِ وَالتَّفَاعُلِ مَعَ مُتَغَيِّرَاتِ العَصْرِ.
إِنَّ الأَنْشِطَةَ المَدْرَسِيَّةَ، بِهَذَا المَعْنَى، لَيْسَتْ عُنْصُرًا مُكَمِّلًا فِي العَمَلِيَّةِ التَّعْلِيمِيَّةِ، بَلْ هِيَ مِخْتَبَرٌ حَقِيقِيٌّ تُصْنَعُ فِيهِ القِيَمُ، وَتُبْنَى فِيهِ الهُوِيَّةُ، وَيَتَعَلَّمُ فِيهِ الطَّالِبُ كَيْفَ يَكُونُ فَاعِلًا فِي مُجْتَمَعِهِ، مُفَكِّرًا نَاقِدًا، وَمُبْدِعًا، وَمُبَادِرًا.
وَخُلَاصَةُ القَوْلِ:
تُؤَكِّدُ نَظَرِيَّةُ التَّعَلُّمِ التَّجْرِيبِيِّ أَنَّ أَعْمَقَ أَثَرٍ لِلتَّعَلُّمِ يَتَحَقَّقُ عِنْدَمَا يَعِيشُ المُتَعَلِّمُ الخِبْرَةَ وَيُمَارِسُهَا، لَا عِنْدَمَا يَكْتَفِي بِتَلَقِّيهَا. وَهَذَا مَا تُجَسِّدُهُ الأَنْشِطَةُ المَدْرَسِيَّةُ، حَيْثُ تَتَحَوَّلُ القِيَمُ إِلَى مُمَارَسَاتٍ، وَيَتَشَكَّلُ الِانْتِمَاءُ كَوَعْيٍ وَسُلُوكٍ. وَيَنْسَجِمُ ذَلِكَ مَعَ مَا أَكَّدَهُ السُّلطَانُ هَيْثَمُ بْنُ طَارِقٍ – حَفِظَهُ اللهُ – مِنْ أَهَمِّيَّةِ بِنَاءِ الإِنْسَانِ العُمانِيِّ المُعْتَزِّ بِهُوِيَّتِهِ، القَادِرِ عَلَى الإِسْهَامِ فِي تَنْمِيَةِ وَطَنِهِ.
حَيْثُ تَبْدَأُ الهُوِيَّةُ العُمانِيَّةُ رِحْلَتَهَا.



