بين ضجيج الخلاف ونداء الحكمة… إلى أين تمضي أمتنا؟
قراءة نقدية تربوية تكشف كيف يُستثمر الانقسام لصناعة التفكك، وتدعو إلى وعيٍ يعيد للأمة تماسكها.
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
في كل مرةٍ تتصاعد فيها الأحداث، نكتشف أن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في الرأي، بل تحوّل إلى حالة من الاحتقان النفسي، تُدار فيها النقاشات بعاطفةٍ متأججة، وتُحسم فيها المواقف بانحيازٍ أعمى، حتى أصبح الصوت الأعلى ليس صوت الحكمة، بل صوت الانفعال.
وهنا، لا بد من وقفة صادقة… لا لمجاملة أحد، ولا لمهاجمة أحد، بل لمراجعة أنفسنا قبل أن تتسع الفجوة بيننا.
إن أخطر ما نعيشه اليوم ليس اختلاف المواقف، بل طريقة إدارتنا لهذا الاختلاف.
حين يتحول الحوار إلى معركة، والرأي إلى تهمة، والمخالف إلى خصم، فإننا لا نخسر النقاش فحسب، بل نخسر شيئًا أعمق: نخسر إنسانيتنا المشتركة.
لقد تسللت إلينا ثقافة التصنيف الحاد:
هذا معنا ، وهذا ضدنا،
هذا وطني ، وهذا خائن،
هذا على الحق ، وهذا على الباطل.
ومع هذا التصنيف، تضيق مساحة العقل، وتتسع مساحة الانفعال، ويصبح الانتصار للرأي أهم من البحث عن الحقيقة.
وهنا مكمن الخلل التربوي قبل أن يكون سياسيًا.
فالأمم لا تُقاس فقط بمواقفها، بل بقدرتها على ضبط ذاتها عند الاختلاف، وبوعيها بمن يحاول توجيه هذا الاختلاف لخدمة أجنداتٍ لا تخدم استقرارها.
إن ما نشعر به اليوم من احتقانٍ واستقطابٍ حاد، ليس كله عفويًا؛ بل هو في كثيرٍ من جوانبه نتيجة بيئاتٍ تُغذّي الانقسام، وتُضخّم الخلاف، وتدفع الناس دفعًا نحو التشدد في المواقف.
وهنا ينبغي أن نكون أكثر وعيًا: فهناك من يستفيد من تفككنا، ومن يرى في تباعدنا فرصة، وفي انشغالنا ببعضنا مكسبًا.
إن أعداء وحدة المجتمعات – أياً كانت تسمياتهم أو توجهاتهم – لا يحتاجون إلى مواجهة مباشرة بقدر ما يحتاجون إلى إضعاف الداخل:
زرع الشك، تشويه الثقة،
تفكيك الروابط، وخلق حالة من الانحلال الفكري التي يفقد فيها الإنسان بوصلته، فيتخبط بين الانتماءات، ويغرق في صراعاتٍ لا نهاية لها.
والأخطر من ذلك، أن هذا التفكك لا يُفرض علينا بالقوة، بل نتورط فيه أحيانًا بأيدينا… حين نُسلم عقولنا للانفعال، ونُقصي بعضنا بعضًا، ونُحوّل اختلافاتنا إلى معارك استنزاف داخلي.
إن الانجراف خلف الخطاب الحاد لا يصنع قوة، بل يخلق وهم القوة.
وقد يبدو الدفاع الشرس عن المواقف بطولة، لكنه في كثير من الأحيان ليس سوى انعكاس لقلق داخلي، أو خوف من فقدان اليقين.
وهنا يجب أن نكون واضحين: لسنا مطالبين بأن نتفق في كل شيء، ولكننا مسؤولون أن نختلف دون أن نتفرق، وأن نتحاور دون أن نتخاصم، وأن ننتقد دون أن نُقصي.
إن الخطاب الذي يُكفّر، أو يُخوّن، أو يُقصي، لا يحمي الدين ولا يخدم الوطن، بل يُضعفهما معًا.
فالدين أوسع من أن يُحتكر، والوطن أكبر من أن يُختزل في رأي.
ومن منظور تربوي، فإن ما تحتاجه أمتنا اليوم ليس مزيدًا من الجدل، بل مزيدًا من الوعي الانفعالي، الذي يُعلّم الإنسان كيف يضبط مشاعره قبل أن يُطلق أحكامه، وكيف يُحسن الظن قبل أن يُسيء التأويل.
نحن بحاجة إلى إعادة بناء ثقافة الحوار:
حوارٍ يستمع قبل أن يرد،
ويفهم قبل أن يحكم،
ويبحث عن نقاط الالتقاء قبل تضخيم نقاط الخلاف.
كما أننا بحاجة إلى وعيٍ إعلامي، يُدرك أن كثيرًا مما يُطرح ليس بريئًا، وأن تضخيم الصراعات يخدم مصالح، لا بالضرورة مصلحة الأمة.
إن الحفاظ على وحدة الصف لا يعني إلغاء العقول، بل توجيهها، ولا يعني إسكات النقد، بل تهذيبه، ولا يعني تجاهل الأخطاء، بل معالجتها دون أن تتحول إلى وقودٍ للفرقة.
فلنُدرك جميعًا أن الكلمة مسؤولية، وأن الرأي أمانة، وأن الانفعال غير المنضبط قد يهدم ما لا تُصلحه سنوات.
إن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأمتنا في هذا الظرف ليس أن نرفع أصواتنا، بل أن نرفع مستوى وعينا،ليس أن نكسب الجدل، بل أن نحفظ القلوب،ليس أن نُثبت أننا على صواب، بل أن نمنع أن نكون سببًا في اتساع الخطأ.
الختاما إذا لم ننتبه، فإننا سنمنح خصوم وحدتنا ما يريدون دون أن يشعروا بنا، وإذا وعينا، فإننا سنُفشل كل محاولات التفكيك مهما تعددت أدواتها.
فلنكن جزءًا من الوعي، لا وقودًا للفرقة، وجسرًا للوحدة ، لا امتدادًا للانقسام.



