الجمعة: 27 فبراير 2026م - العدد رقم 2839
مقالات صحفية

الهوية بين جذر الوجود وسرّ البقاء

د. طالب بن خليفة الهطالي

قيل إن الهوية أصل لا يمحى، لكنها ليست شعارا يرفع، ولا اسما يكتب، ولا لباسا يعار، بل هي نظام خفي يربط الإنسان بمعنى وجوده، ويمنحه اتساقا داخليا يجعل حياته قابلة للفهم. فإذا اضطرب هذا النظام تشتتت الذات، وصار المرء يتبدل بلا معيار، ويتحول بلا بوصلة، ويعيش داخل أجساد متعددة لا داخل حياة واحدة.

الهوية في جوهرها ليست سؤالا عمن أنا؟ فقط، بل سؤال عن كيف أبقى أنا؟ وما الذي يجعلني مستمرا عبر الزمن رغم تغير الأحوال؟ هنا يظهر الفرق بين تعريف الهوية بوصفها بيانات، وبين فهمها بوصفها معنى. البيانات تتغير بسهولة، أما المعنى فيحتاج جذرا يحفظه، لذلك قيل إن الهوية جذر الوجود، لأنها تمنح الإنسان وحدة داخلية تربط التجربة بالنية، والذاكرة بالاختيار، والغاية بالفعل. ومن دون هذا الربط يصبح الوجود سلسلة لحظات متقطعة لا تنتج سيرة ولا تصنع مصيرا.

ومن أعمق جذور الهوية في التصور الإيماني أنها تبدأ من الداخل، من صلة الروح بخالقها قبل صلة الاسم بالناس. فالإنسان لا يتأسس على المجتمع وحده، بل على الميثاق الأول الذي وضع معيارا للانتماء الأكبر. قال تعالى: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} (الأعراف: 172). فهذه ليست حكاية غيبية للزينة، بل تأسيس لفكرة أن الهوية ليست صناعة ظرف، بل لها أصل فطري يسبق الثقافة. ثم تأتي الثقافة لتشكل التعبير لا الجوهر. ويؤكد هذا المعنى حديث الفطرة: “كل مولود يولد على الفطرة”، لأن الهوية هنا استعداد أول للمعنى، لا قالب نهائي مغلق.

غير أن الفطرة وحدها لا تكفي ما لم تتحول إلى وعي ومعيار. فالهوية قد تكون كامنة لكنها تضعف حين يغيب البناء الداخلي. ولهذا ربطت السنة بين صلاح القلب وصلاح الكيان: “ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله” فالقلب ليس عضوا بيولوجيا فحسب، بل مركز القرار القيمي، وحين يصبح القلب تابعا لتيار السوق أو ضغط الجماعة أو خوف العزلة، تفقد الهوية معيارها، ويظل الاسم كما هو، لكن المعنى يتبدل من الداخل.

ومن هنا نفهم أن الهوية ليست وحدة واحدة بسيطة، بل طبقات متراكبة، أهمها طبقة الروح ثم طبقة الوجدان ثم طبقة الاجتماع ثم طبقة الأرض واللغة والرمز، وكل طبقة تكمل التي قبلها، فإذا انهارت الطبقة الأولى صار ما بعدها زينة قابلة للبيع، وإذا انهارت الطبقات الاجتماعية والثقافية بقي المعنى معلقا يبحث عن وعاء يعبر عنه، مثل جذر بلا تربة، أو لغة بلا أمة.

إن الهوية الوجدانية والاجتماعية ليست عاطفة عابرة، بل رابطة تشكل معنى الانتماء، وتمنح الفرد حماية نفسية واعترافا اجتماعيا، وقد قررت السنة منطق التضامن بوصفه حماية للكيان لا مجرد فضيلة: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، والبعد التحليلي هنا أن الإنسان لا يقدر على بناء ذاته في فراغ، فالعزلة ليست فقدا للناس فقط، بل فقد للمرآة التي يرى فيها نفسه. ولهذا قال ابن خلدون إن الاجتماع ضرورة، ووصف أرسطو الإنسان بأنه اجتماعي بالطبع، فالمعنى يولد داخل علاقة، والهوية تنمو داخل اعتراف.

لكن هذا الاعتراف قد يتحول إلى سجن، وهنا تظهر عقدة الهوية في التاريخ، فالانتماء يمنح قوة لكنه قد يغري بالتعصب، والهوية حين تتحول إلى أداة فرز أخلاقي بين الناس لا إلى معيار بناء للذات تصبح خطرا على صاحبها وعلى غيره، لذلك تحتاج الهوية إلى عقل يراقبها ويمنعها من التحول إلى قيد، فالهوية الحية هي التي تجمع بين الثبات في القيم، والمرونة في الوسائل، أما الهوية الصلبة التي لا تتغير مطلقا فهي غالبا خوف مقنع، وأما الهوية السائلة التي تتغير بلا معيار فهي ضياع مقنع، والنجاة في هوية واعية تفرق بين الجوهر والمتغير.

وعلى مستوى الوطن والثقافة ليست الأرض ترابا جامدا، بل ذاكرة جمعية، وليست اللغة أصواتا مبعثرة، بل وعاء فكر ورمز قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} (الحجرات: 13). فالتعدد ليس تهديدا في ذاته، بل مجال للتعارف، ومعنى التعارف هنا أعمق من المعرفة السطحية، إنه اعتراف متبادل يحفظ الكرامة، ويمنع الذوبان القسري، ويمنع كذلك الغرور القومي. فالهوية الوطنية ليست نقيضا للهوية الروحية، بل وعاء تتجسد فيه القيم، وتتحول فيه المسؤولية إلى سلوك.

غير أن الوطن والثقافة يمكن أن يتحولا إلى قشرة إذا فقدا الفكرة الموجهة، ولهذا كان تشديد مالك بن نبي على أن المجتمع بلا فكرة محركة يفقد الحياة، لأن الفكرة هي التي تمنح الثقافة اتجاها، وتمنح اللغة وظيفة، وتمنح الوطن معنى يتجاوز الجغرافيا، وهنا نفهم أن الانتماء ليس مجرد حنين، بل مشروع قيم، فإذا غابت القيم تحول الحنين إلى بكاء، وتحول الدفاع إلى انفعال، وصارت الهوية شعارا بلا مضمون.

وفي الفكر الحديث يبرز بعد مهم وهو أن الهوية لا تتشكل فقط من الداخل بل داخل فضاء لغوي وثقافي يعترف به الآخرون، وهذا ما نبه إليه (تشارلز تايلور ) في فكرة الاعتراف، فالإنسان قد يحمل معنى عظيما في نفسه، لكنه يحتاج مساحة اجتماعية تعترف بكرامته، وإلا عاش صراعا مستمرا بين ما يراه في ذاته وما يراه الآخرون فيه. كما أن (بنديكت أندرسون) يبين أن الأمة جماعة متخيلة تبنى عبر رموز مشتركة، أي أن الهوية الوطنية ليست مجرد دم، بل قصة جامعة تخلق التضامن. فإذا تحطمت القصة المشتركة انهار المعنى المشترك، وصار الناس أفرادا متجاورين لا جماعة متماسكة.

ويزداد هذا التهديد اليوم مع التحول الرقمي والعولمة، لأن الهوية صارت عرضة لنوع جديد من الاستعمار. استعمار لا يأخذ الأرض فقط، بل يأخذ الذوق، واللغة، ومعايير النجاح، بل يأخذ صورة الذات عن نفسها. حين تتحول المنصات إلى مصانع للتماثل، وحين يصبح القبول الاجتماعي رقما، وحين تذوب اللغة في قوالب سريعة، ويتحول التاريخ إلى محتوى. هنا لا تتعرض الهوية لهجوم عسكري فقط، بل لهجوم ناعم يمس مصادر المعنى في الداخل، ويعيد تشكيل الإنسان من حيث لا يشعر.

ولهذا كان الدفاع عن الهوية ضرورة وجودية لا لأنها تعصب، بل لأنها حماية للمعنى من التبدد قال تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ} (النساء: 75)والقتال هنا ليس مقصورا على السيف، بل يشمل العلم حين تهدد اللغة، ويشمل الثقافة حين تشوه الرموز، ويشمل بناء الاقتصاد حين يصبح الاستهلاك ديانة، ويشمل التربية حين تفقد الأسرة دورها، ويشمل الوحدة حين يراد للجماعة أن تتفتت، لأن الهوية لا تموت مرة واحدة، بل تضعف تدريجيا حين تنقطع صلتها بالمصدر، وتفقد وظيفة المعنى، وتستبدل قيمها ببدائل سريعة.

ومع ذلك لا بد من تنبيه تحليلي حاسم. الدفاع عن الهوية لا يعني تقديس كل ما ورثناه، ولا يعني تحويل الثقافة إلى صنم، فليس كل موروث أصلا، وليس كل جديد خطرا،فالهوية الراشدة هي التي تملك معيارا أخلاقيا يزن الموروث ويهذب الجديد، فتأخذ من الحداثة أدواتها دون أن تسلم لها قيمها، وتستفيد من العالم دون أن تذوب فيه، وتفتح أبوابها للتعارف دون أن تفرط في خصوصيتها.

إن الهوية في نهاية الأمر ليست سؤالا ثانويا، بل جواب الوجود كله. لأنها التي تمنح الإنسان اسمه الحقيقي في داخله، وتمنحه معنى البقاء حين تشتد الريح، فإذا تمسك بجذر الروح ثبت، وإذا بنى وعاء الثقافة واللغة اتسع، وإذا حفظ مشروع القيم نضج. وحينئذ لا تصبح الهوية درعا ضد الآخرين فقط، بل تصبح درعا ضد السقوط الداخلي، لأن أخطر ما يهدد الهوية ليس اختلاف الناس، بل غياب المعنى.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights