الجمعة: 27 فبراير 2026م - العدد رقم 2839
أخبار محلية

اتفاقات الواتساب الصامتة .. معركة استعادة هيبة المدرسة في عصر التقنية

 ناصر بن خميس الربيعي

تعدّ ظاهرة الغياب الجماعي في المدارس العمانية تحدياً تربوياً واجتماعياً بالغ التعقيد، يتجاوز في أبعاده كونه مجرد انقطاع عابر عن مقاعد الدراسة، حيث تحولت هذه الممارسات في الآونة الأخيرة إلى ظاهرة منظمة تستند إلى ما يمكن تسميته بالاتفاق الجمعي بين الطلبة. هذا الاتفاق لا يولد من فراغ، بل نتيجة ثقافة فرعية بدأت تتشكل داخل أسوار المدارس والفصول أبطالها الطلبة أنفسهم ، تهدف إلى فرض إجازات غير رسمية تسبق أو تلي العطلات الوطنية والدينية المعتمدة، وتبدأ هذه الظاهرة عادة بضغوط اجتماعية يمارسها الطلبة على بعضهم البعض، حيث يسود اعتقاد خاطئ بأن الغياب الجماعي يمنع الهيئة التدريسية من استكمال المنهج أو شرح دروس جديدة، مما يضع الطالب المجتهد والملتزم في حيرة من أمره، فإما الانصياع لرغبة المجموعة أو مواجهة عزلة اجتماعية ووصفه بالخروج عن وحدة الصف الطلابي، وهو ما يعكس خللاً في سلم القيم التربوية لدى الناشئة ، وهذا الأمر يستدعي التدخل العاجل من قبل القائمين على النظام التعليمي بالسلطنة لما له من آثار سلبية تقوض دعائم القيم والمبادئ الحسنة .

لقد لعبت الطفرة التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً وخطراً في تفاقم هذه الظاهرة، إذ لم تعد اللقاءات المباشرة الوسيلة الوحيدة للتنسيق، بل أصبحت منصات مثل واتساب وسناب شات وتيك توك أدوات فاعلة للتحريض الممنهج والذي وصل إلى مرحلة من التنظيم تنبئ بخطر حقيقي ، فمن خلال هذه المجموعات الرقمية، يتم تحديد “ساعة الصفر” للغياب الجماعي وبث رسائل تثبط الهمم وتنشر الشائعات حول خلو المدرسة من المعلمين أو تعطل الدراسة، مما يمنح الطالب مبرراً وهمياً لإقناع أسرته بالبقاء في المنزل، هذا الاستغلال السلبي للتقنية حولها من وسيلة لتبادل المعرفة إلى منصة لزعزعة استقرار المرفق التعليمي وكسر هيبة النظام المدرسي، وهو أمر يتطلب وقفة جادة من كافة الأطراف المعنية لمواجهة هذا التمرد الرقمي الذي يضر بمصلحة الطالب أولاً وأخيراً.

إن خطورة الغياب الجماعي لا تقتصر على الفقد التعليمي اللحظي وضياع الحصص الدراسية وما يتبعه من ضغط للمناهج لاحقاً، بل تمتد لتضرب في عمق الشخصية الوطنية وتؤثر على المستقبل البعيد للدولة، فعندما يعتاد الطالب في مراحله التأسيسية على ثقافة التنصل المنظم من المسؤولية، فإنه يبني نمطاً سلوكياً اتكالياً قد يصاحبه إلى بيئات العمل المستقبلية، مما يهدد جودة القوى العاملة الوطنية ويضعف من تنافسية الدولة في سوق العمل العالمي، إن رؤية عمان 2040 ترتكز على بناء إنسان مسؤول ومنضبط، والتهاون مع ظاهرة الغياب الجماعي اليوم يعني زراعة بذور عدم الالتزام المهني والوظيفي غداً، مما قد يؤدي إلى هدر اقتصادي كبير نتيجة تعطل الإنتاجية وتدني مستويات الانضباط في المؤسسات الحكومية والخاصة مستقبلاً.

وللقضاء على هذه الظاهرة المتجذرة، لا بد من تفعيل دور متكامل يجمع بين المؤسسات التعليمية والأمنية والأسرة في آن واحد، فعلى وزارة التعليم والمديريات التابعة لها تطبيق لائحة شؤون الطلبة بصرامة وحزم، بحيث لا يمر الغياب الجماعي دون محاسبة قانونية وتربوية واضحة تشمل حرمان الطالب من بعض الامتيازات أو درجات السلوك، مع ضرورة ابتكار أساليب تدريسية جاذبة وأنشطة محفزة تضمن حضور الطالب في الأيام التي تسبق الإجازات، وفي الجانب الآخر، يبرز دور المؤسسات الأمنية والرقابية في متابعة المحرضين عبر الفضاء الإلكتروني الذين يتعمدون نشر أخبار كاذبة تهدف إلى تعطيل الدراسة، واعتبار ذلك مساساً بمرفق عام حيوي، وأخيراً، تظل الأسرة حجر الزاوية، فوعي ولي الأمر برفض الغياب دون عذر قاهر هو الضمانة الحقيقية لاستئصال هذه الظاهرة، فالتعليم ليس مجرد تحصيل درجات بل هو عملية بناء أخلاقي وقيمي أساسها الالتزام بالوقت واحترام النظام العام للدولة .

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights