الجمعة: 20 مارس 2026م - العدد رقم 2860
مقالات صحفية

بين السَّبَب والقدر : التوازن القرآني بين المسؤولية والتوحيد

   صالح بن ناصر المحروقي

يطرح القرآن الكريم تصورًا متماسكًاً للإنسان والكون، يقوم على الجمع بين نظام السببية من جهة، وردّ النتائج إلى مشيئة الله من جهة أخرى، ولا يُعدّ هذا الجمع تلفيقًا فكريًا، بل بناءً عقديًا مقصودًا يحفظ للإنسان مسؤوليته الأخلاقية، ويحفظ للتوحيد صفاءه من التعلّق بغير الله.

يقرر القرآن الكريم أنّ العالم يسير وفق سنن ثابتة، وأنّ الأفعال تترتب عليها آثارها، وأن الإنسان ليس معزولاً عن نتائج سلوكه، فالفعل البشري سبب معتبر، والاختيار الإنساني محل محاسبة، ولذلك عُلّق التغيير على ما يحدثه الإنسان في نفسه، ورُبط الجزاء بالكسب، ورُبطت النجاة بالسعي، وبهذا يكون القرآن الكريم قد رسخ مبدأ المسؤولية، ومنع تحويل الإيمان بالقدر إلى ذريعة للعجز.

وفي الوقت ذاته، ينزع القرآن الكريم عن الأسباب صفة الاستقلال الذاتي، فلا يجعلها فاعلة بذاتها، ولا ضامنة لنتائجها، فالأسباب تعمل بمشيئة الله وحده، وتتحقق آثارها بإذنه، وبهذا يحفظ التوحيد من التحول إلى وثنية سببية حديثة، تُضفي على الوسائل قدرة مطلقة، وتنسى أن الفاعل الحقيقي هو الله.

وإنما ينشأ الخلل العقدي حين يُفصل أحد الطرفين عن الآخر، فإن أُلغيت الأسباب باسم القدر، وُلدت جبرية نفسية تُعطل المحاسبة، وتقتل روح المراجعة، وتحوّل الفشل إلى قضاء لا يُسأل عنه، وإن أُطلقت الأسباب من كل قيد، تولدت حتمية مادية تُؤلّه الجهد والتخطيط، وتُسقط معنى التوكل، وتترك الإنسان مكسورًا عند أول إخفاق له.

ولا يعارض القرآن الكريم بين الإيمان بالقدر والعمل بالأسباب، بل يضع لكلٍّ منهما مجاله الوظيفي، فالأسباب مجال التكليف، يُؤمر الإنسان بها، ويُحاسَب على التقصير فيها، وفي المقابل فإن النتائج هي مجال التوحيد، يُسلّم فيها العبد لله، ويوقن أن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وبهذا يظل العقل فاعلاً، والقلب موحّدًا.

حين يخسر الإنسان مثلاً في تجارة ما بسبب سوء تخطيط منه، أو يقع في ضرر بسبب الإهمال، فلا يصح أن يُلقى ذلك على القدر ابتداءً، فهذا خلط بين المقامين، وتجاوز لمبدأ المسؤولية، إذ إن القدر لا يُلغِي المحاسبة، بل يجري من خلالها، ومحاسبة النفس على السبب ليست اعتراضاً على القضاء، بل فهمًا له.

وفي المقابل، إذا استفرغ الإنسان وسعه، وأخذ بالأسباب المتاحة، ثم جاءت النتيجة على غير ما أراد، فلا محلّ للوم الذات ولا للانهيار النفسي، وهنا يظهر مقام التسليم لله، ويُدرك العبد أن الله قدّر ما وقع لحكمة، قد تظهر وقد تُحجب، دون أن يكون في ذلك انتقاص من عدله أو رحمته.

وبهذا الفهم المتوازن، يتحرر الإنسان من نمطين خطيرين من التدين: تدين التواكل الذي يعفي النفس من المحاسبة، وتدين الغرور الذي يجعل النجاح حقًا مكتسبًا حتميًا، وبهذا التوازن بين الأمرين يتشكل لدى الإنسان وعي ناضج، فتراه يعمل بجد، ويُخطّط بعقل، ثم يتوكل بقلب.

ويمتد أثر هذا التوازن من السلوك الفردي إلى البنية الأخلاقية للمجتمع كله، فحين تُفهم العلاقة بين السبب والقدر فهمًا صحيحًا، تُستعاد قيمة الإتقان، وتترسخ ثقافة المحاسبة، ويُرفع الالتباس عن معنى الفشل والنجاح، فلا يُقدَّس المنتصر لذاته، ولا يُدان المتعثر لمجرد عثرته، بل يُنظر إلى المسار، وإلى مقدار الوفاء بالتكليف، وإلى صدق الاجتهاد، قبل النظر إلى المآلات.

كما ينعكس هذا التصور على معنى الدعاء نفسه، إذ لا يصبح بديلاً عن العمل، ولا يتحول العمل إلى غنى عن الدعاء، بل يلتقي الاثنان في مسار واحد، يعمل فيه الإنسان وهو يستعين، ويخطط وهو يستحضر الفقر إلى الله، فيتحول الدعاء من انتظار سلبي للنتائج إلى وعي حيّ بحدود القوة البشرية، وبأنّ الأخذ بالأسباب لا يكتمل أثره إلا إذا ظل مربوطًا بمصدر التوفيق والهداية.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights