أين نحنُ من نحن؟
د. طالب بن خليفة الهطالي
ليس الابتعاد عن الذات حالة طارئة، ولا خللا يحدث فجأة، بل هو مسار هادئ يتكوّن حين يعتاد الإنسان أن يعيش وفق ما يريحه، لا وفق ما يعبّر عنه. ومع الزمن، يتعلّم المرء كيف يساوي بين ما يشعر به وما يفعله، لا بأن يغيّر الفعل، بل بأن يخفف من وطأة الشعور، حتى لا يبقى الصدق الداخلي شرطا للحياة اليومية. وهكذا لا تُفقد الذات لأنها مجهولة، بل لأنها مؤجّلة، تُعرف في التأمل، وتُستبعد في الممارسة، إلى أن يصبح العيش على هامشها أكثر سهولة من العودة إليها.
ويظهر هذا الانفصال في علاقة الإنسان برغباته حيث تختبر قدرته على الانسجام مع ذاته أو تبريره لابتعاده عنها. فالرغبة طاقة إنسانية لا تستقيم إلا بوعي حدودها إذ إن إطلاقها يقود السلوك وقمعها يعيده في صورة اضطراب. وبين الإطلاق والقمع يضيع الفرق بين الضبط والانطفاء وبين الحرية والانفلات.
وحين يستقر هذا الابتعاد عن الذات لا يعود حدثا استثنائيا يلفت الانتباه، بل يتحول إلى نمط عيش هادئ يمارسه الإنسان دون مقاومة تذكر. فالذات لا تتشظى دفعة واحدة وإنما تتفرق عبر اختيارات صغيرة تتكرر حتى تفقد قدرتها على الإزعاج. وقد أشار الفيلسوف الوجودي سورين كيركغارد (المرض حتى الموت– 1849) إلى أن أخطر أشكال اليأس هو أن يعيش الإنسان منفصلا عن ذاته وهو يظن أنه في حالة اتزان لأن هذا الانفصال لا يُشعر صاحبه بالخطر، بل يمنحه شعورا زائفا بالسلام.
ويكشف القرآن هذا المسار حين يربط نسيان الذات بانقطاع الصلة بالمعنى الأعلى في قوله تعالى ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ ]الحشر، 19[فنسيان النفس هنا ليس فقدان معرفة، بل فقدان علاقة ذلك الرابط الذي يجعل الإنسان حاضرا في أفعاله لا مجرد مؤد لها، وقد عبّر المفكر الاجتماعي إريك فروم (الهروب من الحرية – 1941) حين بيّن أن الإنسان قد يهرب من ذاته طلبا للأمان في أنماط عيش مريحة لكنها خاوية من المعنى.
وقالت العرب: من ضيّع أصله ضاع فرعه، إشارة إلى أن الإنسان إذا انقطع عن جوهره الداخلي تفرقت أفعاله الخارجية مهما بدت منسجمة في ظاهرها. وهنا لا يكون الشتات نتيجة جهل ولا ضعف، بل ثمرة اعتياد طويل على تأجيل الصدق مع الذات حتى يصبح الغياب عنها هو الحالة الطبيعية.
ويظهر هذا الابتعاد عن الذات أوضح ما يكون في علاقة الإنسان برغباته لأنها هي الموضع الذي تُختبر فيه قدرة الوعي على القيادة أو الاستسلام، وهي في ذاتها ليست نقصا ولا انحرافا، بل طاقة دافعة إن تُركت بلا توجيه وتحولت إلى قوة عمياء حتى وإن قُمعت بلا فهم عادت في صور أشد اضطرابا، وقد بيّن عالم النفس الوجودي فيكتور فرانكل (الإنسان يبحث عن معنى– 1946) أن الإنسان لا ينهار بسبب الألم أو الحرمان بقدر ما ينهار حين يفقد المعنى الذي ينظم دوافعه فالرغبة حين تنفصل عن المعنى لا تقود إلى الإشباع، بل إلى فراغ أعمق.
ويؤكد هذا المسار عالم النفس الأمريكي ويليام جيمس (مبادئ علم النفس– 1890) حين ربط السلوك الإنساني بالانتباه لا بالرغبة وحدها معتبرا أن ما يسيطر على وعي الإنسان هو ما يحدد أفعاله في النهاية. فالرغبة لا تتحول إلى فعل إلا حين يتنازل الوعي عن موقعه القيادي ويكتفي بالتبرير اللاحق. وهنا يتضح الفرق بين ضبط النفس بوصفه فعلا واعيا وقمعها بوصفه إنكارا مؤقتا لا يلبث أن ينقلب إلى انفلات.
ويضع القرآن هذا الميزان في صيغة حاسمة في قوله تعالى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾] سورة النازعات، 40–41[فالنهي هنا ليس إلغاء للرغبة بل منع لها من التحول إلى مرجعية عليا تحكم السلوك، وهو المعنى الذي عبّر عنه العرب بقولهم “من ملك شهوته كان أملك لنفسه” إشارة إلى أن الحرية الحقيقية لا تتحقق بإطلاق الدوافع، بل بالقدرة على إدارتها ضمن بوصلة أخلاقية واضحة؛ وأضاف فرانز كافكا (اليوميات – نُشرت بعد وفاته 1948) عن هذا الصراع الداخلي حين كتب أن الإنسان قد يعيش حياة لا تخصه تماما في إشارة إلى ذلك الانفصال بين الفعل والإحساس بالمعنى فحين تُقاد الرغبة دون وعي يصبح السلوك غريبا عن صاحبه مهما بدا متسقا في ظاهره.
ولا يبقى هذا الخلل حبيس التجربة الفردية، بل ينساب أثره إلى الفعل العام والعمل والمسؤولية الاجتماعية، لأن الإنسان لا يدخل المجتمع بصفته فكرة مجردة، بل بصفته ذاتا متماسكة أو متشظية، وحين يضعف انسجامه الداخلي يتحول الالتزام إلى عبء خارجي لا امتداد طبيعي للمعنى. وقد أشار عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية – 1905) إلى أن الفعل حين ينفصل عن القناعة الأخلاقية يفقد روحه ويتحول إلى أداء شكلي مهما بلغ من الدقة والتنظيم فالعمل بلا معنى داخلي لا يصنع إنسانا مسؤولا، بل ينتج امتثالا باردا سرعان ما يتآكل.
ويضع القرآن الكريم هذه العلاقة في موضعها الجذري حين يربط صلاح الظاهر باستقامة الباطن في قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ ]الرعد، 11[فالتغيير هنا لا يبدأ من البنى ولا من القوانين، بل من تلك المنطقة الداخلية التي يُحسم فيها معنى المسؤولية، وهو ما أكده المفكر الحضاري مالك بن نبي (شروط النهضة– 1948) حين ربط أزمة المجتمعات لا بنقص الموارد، بل بخلل القابلية الأخلاقية التي تجعل الإنسان عاجزا عن تحويل ما يملك إلى أثر حضاري، ومن هذا الموضع تتحدد العلاقة بالوطن لا بوصفه شعارا عاطفيا، بل مجالا للاختبار الأخلاقي؛ ولا ريب أن حب الوطن لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يُؤدَّى له حين يغيب الرقيب، وقد وعى العرب هذا المعنى حين قالوا:
إنما الأمم بالأخلاق ما بقيت :: فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
وهو بيت منسوب إلى أحمد شوقي – مطلع القرن العشرين يلخص إدراكا عميقا بأن سقوط القيم يسبق سقوط البنيان مهما بدا الأخير متماسكا في الظاهر. وهكذا لا يكون التقصير في العمل ولا الفساد في الشأن العام خللا تقنيا فحسب، بل نتيجة طبيعية لانفصال سابق بين الإنسان وذاته. فحين لا يرى الفرد نفسه فيما يفعل لا يعود الفعل تعبيرا عنه، بل وسيلة للنجاة أو التكيف. وعند هذه النقطة يفقد العمل بعده الأخلاقي ويتحول الوطن من مسؤولية مشتركة إلى مساحة انتظار لا أكثر.
وتتجلّى ذروة هذا المسار في علاقة الإنسان بدينه وقيمه وموروثه، لأن هذه الدائرة هي التي تمنح الفعل معناه النهائي أو تفرغه منه، فالدين حين ينفصل عن أثره الأخلاقي يتحول إلى طقس يؤديه الإنسان دون أن يطال سلوكه، وحين تُختزل القيم في خطاب مثالي لا يُمارس تفقد قدرتها على التهذيب والتقويم، وقد نبّه الفيلسوف الأخلاقي إيمانويل كانط (نقد العقل العملي– 1788) إلى أن القيمة الأخلاقية لا تقوم في المعرفة بالمبدأ، بل في الفعل الصادر عنه، فالفعل وحده هو ما يمنح المبدأ واقعيته ومعناه.
ويضع القرآن الكريم هذا الميزان في صيغة جامعة حين يربط الإيمان بالأثر العملي لا بالادعاء اللفظي في قوله تعالى ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾] الحجرات، 13[فالتقوى هنا ليست حالة شعورية ولا التزاما شكليا، بل حضور القيم في السلوك اليومي، ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى في موضع آخر حين يجعل الصلاة ذاتها فاقدة لوظيفتها إن لم تنه عن الفحشاء والمنكر ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾] العنكبوت، 45[فجعل المعيار هو الأثر لا الطقس.
وفي السياق ذاته يوضح المفكر الإسلامي أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين منذ نحو 1100م أن العبادة إذا لم تنعكس على الخلق والمعاملة كانت شكلا بلا روح، وأن العلم إن لم يثمر عملا كان حجة على صاحبه لا له. وهو المعنى الذي استقر في الوعي العربي القديم حين قالوا ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، إشارة صريحة إلى أن القيم لا تُقاس بما يُقال عنها، بل بما تُنتجه من سلوك.
ولا يعد الموروث الثقافي والتاريخي عبئا يُلقى جانبا ولا صنما يُعبد، بل تجربة إنسانية تراكمية تحتاج إلى وعي نقدي يعيد وصلها بالحاضر، وقد أشار ابن خلدون (المقدمة، 1377م) إلى أن الجمود على المنقول دون فهم سننه يؤدي إلى فساد العمران، لأن الحياة لا تستقيم إلا حين يُقرأ الماضي بوصفه خبرة لا قيدا، وبهذا يتضح أن الخلل لا يكمن في الدين ولا في القيم ولا في التراث، بل في انفصالها عن الحياة الفعلية للإنسان، فإذا استعيدت هذه المرجعيات بوصفها بوصلة للمعنى لا مخزنا للشعارات، عاد للإنسان توازنه، واستعاد فعله صدقه، واندمج ما يؤمن به بما يعيشه.



