مقالات صحفية

الأوهام والواقع

صالح بن سعيد الحمداني

كثيرًا ما يردد الناس عند أول تعثر أو خيبة عبارة “الحياة قاسية” وكأن القسوة صفة أصيلة فيها، لا فكاك منها، لكن التمعّن العميق في التجارب الإنسانية يكشف حقيقة أكثر إيلامًا وصدقًا، الإنسان لا ينهزم أمام الحياة ذاتها، ولكنه ينهزم أمام توقعاته التي بالغ في تضخيمها حتى صارت أثقل من قدرته على الاحتمال، فالحياة في جوهرها لا تعد أحدًا بشيء محدد، لا توقّع عقدًا مع الإنسان يضمن له النجاح، أو الاستقرار، أو السعادة الدائمة، هي مساحة مفتوحة من الاحتمالات، تتقاطع فيها الفرص مع العثرات، والفرح مع الفقد، والانتصار مع الخسارة، غير أن الإنسان بدافع الأمل أو الخوف أو المقارنة، يصنع صورة مثالية لما يجب أن تكون عليه حياته، ثم يدخل في صراع غير متكافئ حين لا تطابق الواقع.

منذ الطفولة تبدأ التوقعات في التشكل، يُقال للطفل إن الاجتهاد وحده يكفي للنجاح، وإن الطيبة لا تُقابل إلا بالخير، وإن الصبر لا بد أن يُكافأ عاجلًا، تكبر هذه العبارات معه، وتتحول إلى مسلّمات غير قابلة للنقاش، وعندما يصطدم لاحقًا بواقع أكثر تعقيدًا، حيث يجتهد ولا يصل، ويُحسن ولا يُقدَّر، ويصبر طويلًا دون مقابل، يبدأ شعور الهزيمة في التسلل، لكنه في الحقيقة، لا يُهزم لأنه فشل، بل لأنه توقّع نتيجة واحدة فقط، ولم يترك مساحة لاحتمالات أخرى، التوقعات المبالغ فيها لا تقتصر على النجاح المهني فهي تمتد إلى العلاقات الإنسانية، يدخل كثيرون العلاقات وهم محمّلون بصور مثالية عن الحب، الصداقة، والزواج، يتوقعون فهمًا دائمًا، واحتواءً بلا حدود، وتجاوزًا عن الأخطاء مهما تكررت، وحين يكتشفون أن البشر محدودون، وأن المشاعر تتغير، وأن العلاقات تحتاج جهدًا متبادلًا لا وعودًا شاعرية فقط، يشعرون بالخذلان، مرة أخرى لا لأن الواقع خذلهم وإنما لأنهم رسموا له صورة لم يَعِدهم بها أصلًا.

وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حدّة هذه الأزمة فهي تعرض نماذج مصقولة من الحياة، خالية من الفوضى، الألم، والتعقيد، نجاحات سريعة وعلاقات مثالية، وسعادة دائمة تُعرض في لقطات قصيرة، ومع التكرار، يبدأ الإنسان في مقارنة حياته الحقيقية بتلك النسخ المنتقاة، فيتضاعف شعوره بالنقص والهزيمة، واللافت أن أكثر الناس صلابة ليسوا أولئك الذين عاشوا حياة سهلة، ولكنهم من تعلّموا مبكرًا تخفيف سقف التوقعات دون التخلي عن الطموح، الفرق دقيق لكنه جوهري، فالطموح يدفعك للعمل والسعي، أما التوقع المبالغ فيه فيقيّدك بنتيجة واحدة، ويجعلك ترى كل مسار آخر فشلًا، الطموح يقول “سأسعى وأتعلّم مهما كانت النتيجة”، بينما التوقع المتضخم يهمس “إن لم يحدث ما أريد، فهذا يعني أنني خسرت”.

التصالح مع الحياة لا يعني الاستسلام ولكن يعني فهم طبيعتها، يعني أن ندرك أن بعض الخسارات ليست عقابًا وبعض التأخيرات ليست فشلًا وبعض النهايات ليست هزيمة، وكثير من الانكسارات كانت في حقيقتها بدايات لمسارات أكثر نضجًا، لكن الإنسان لم يرها كذلك لأنه كان منشغلًا بالحلم الذي لم يتحقق.

حين يخفف الإنسان من توقعاته الجامدة، لا يفقد الأمل بل يستعيد مرونته، ويصبح قادرًا على التكيّف، على إعادة التقييم، وعلى رؤية النجاحات الصغيرة التي كان يتجاهلها سابقًا لأنه ينتظر “الانتصار الكبير”، يتعلم أن الحياة ليست معركة صفرية، إما أن تنتصر فيها بالكامل أو تُهزم بالكامل وإنما هي رحلة مليئة بمحطات التعلم وبعضها مؤلم بطبيعته، والحياة لا تهزم أحدًا هي تمضي بطريقتها، محايدة، غير معنية بأحلامنا ولا بخيباتنا، فالهزيمة الحقيقية تحدث حين نصرّ على أن تكون الحياة كما نريدها نحن فقط، لا كما هي، وحين نسمح لتوقعاتنا المتضخمة أن تحجب عنا القدرة على التقدير، الفهم، والاستمرار.

ربما يكون النضج الحقيقي هو أن نُبقي قلوبنا مفتوحة للأمل، وعقولنا واعية لاحتمالات الخيبة، دون أن نُضخم أيًّا منهما، عندها فقط نتوقف عن الشعور بأننا مهزومون… ونبدأ في العيش بصدق أكبر، وعبء أقل.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights