السبت: 07 فبراير 2026م - العدد رقم 2819
مقالات صحفية

حين تنطفئ الشبكة… وتستيقظ النفس

محمد بن علي بن سالم الشعيلي
في زمن أصبحت فيه الإشعارات تقود يومنا، وتحدّد مزاجنا، وتسرق منا لحظاتنا دون أن نشعر، وجدت نفسي فجأة في مكان لا إنترنت فيه، ولا ضجيج بشر، ولا حتى صخب العالم الافتراضي. كانت رحلة سفر قادتني إلى عزلة غير مخططة، عزلة لم يخترها الهاتف، بل فرضها الواقع.
هناك، بعيدًا عن الشبكات ومواقع التواصل والأصدقاء الافتراضيين، بدأت أرى الحياة بوجه مختلف. لا تنبيهات، لا رسائل عاجلة، لا أخبار متلاحقة، لا جدالات رقمية، فقط أنا، والوقت، والصمت.
في البداية، كان الأمر مزعجًا حد الضيق. تعطّلت مصالح، وتأجّلت أعمال، وشعرت بأن العالم يمضي من دوني. كانت اليد تمتد للهاتف بلا وعي، ثم تعود بخيبة هادئة حين لا تجد شيئا. كأنني مدمن حُرم جرعته المعتادة من الضجيج.
لكن مع مرور الوقت، بدأ شيء آخر يحدث.
بدأت أسمع نفسي.
ذلك الصوت الداخلي الذي طالما غطّته ضوضاء العالم الرقمي، بدأ يتحدث بوضوح. أفكار مؤجلة عادت، ومشاعر مؤجلة ظهرت، وذكريات كانت تمر سريعًا أصبحت تقف طويلًا أمامي. لم أكن أهرب إلى الشاشة كلما شعرت بالملل، بل كنت أواجه الملل، وأكتشف أنه ليس عدوًا كما كنت أظن، بل بابًا للتأمل.
كانت الحياة واقعية بشكل غير مألوف. الوقت يمضي ببطء، لكنه يمضي بعمق. اللحظات لا تُقاس بعدد الرسائل، بل بعدد الأفكار. لم أعد أتفاعل مع العالم عبر شاشة، بل مع ذاتي عبر الصمت.
تجربة جميلة، لكنها مزعجة.
جميلة لأنها أعادتني إلى نفسي، ومزعجة لأنها كشفت لي حجم اعتمادنا المرضي على الاتصال الدائم. أدركت كم أصبحنا نخشى الفراغ، وكم نهرب من خلوة النفس إلى ضجيج العالم الافتراضي. أدركت أن “الانشغال” الذي نعيشه ليس دائمًا إنتاجًا، بل كثيرًا ما يكون هروبًا.
في تلك العزلة، لم يكن هناك أصدقاء افتراضيون، لكن كان هناك صديق قديم نسيته طويلًا: نفسي.
صحيح أن بعض الأعمال تعطّلت، وبعض المصالح تأجّلت، لكن شيئا أهم تحرّك في داخلي. نوع من الصفاء الذهني، وإعادة ترتيب للأولويات، ومراجعة هادئة لكثير من الأمور التي كنا نمر عليها بسرعة في زحمة الأيام.
عدت من تلك السفرة بشعور مزدوج: الامتنان لهذه التجربة، والقلق من العودة إلى نفس الدوامة السابقة. كأنني تذوّقت حياة أكثر بساطة وصدقًا، ثم عدت إلى عالم لا يمنحك فرصة التوقّف.
تعلّمت من تلك الرحلة أن الانقطاع أحيانًا ليس خسارة، بل استعادة. وأن الصمت ليس فراغًا، بل مساحة تمتلئ بنا نحن.
ربما لا نحتاج دائمًا إلى السفر بعيدًا لنعيش هذه التجربة، لكننا بالتأكيد نحتاج أن نغلق الشبكة بين حين وآخر، حتى نعيد الاتصال بأنفسنا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights