الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

القول الرصين في الرد على وكلاء المُستشرقين

د. أحمد محمد الشربيني

عزيزي القارئ:

في ظلّ انتشار بعض الأصوات التي تُثير الشكوك حول السنة النبوية، استمعتُ مؤخرًا إلى مداخلة علمية للدكتور حسام بدراوي عبر أحد برامج البودكاست، وهو ـ كما نعلم ـ متخصص في مجال الطب، لكننا ألفيناه ـ للأسف ـ يُشكك في صحة الأحاديث النبوية بحجة أنها دُوّنت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمئات السنين، كما زعم أيضًا أن عدم وجود خُطب جمعة مُدوّنة له صلى الله عليه وسلم يُضعف من مكانة السنة.

وبحكم دراستي لعلم الحديث بكلية دار العلوم إبان المرحلة الجامعية، على يد العالمين الجليلين د. محمد بلتاجي ـ رحمه الله ـ والدكتور محمد قاسم المنسي ـ حفظه الله ـ فهاك ردي العلمي على تلك المزاعم والافتراءات التي صدرت، وما زالت تصدر، من الحملات الاستشراقية ومريديها من أدعياء التنوير والحداثة:

أولًا: خطأ المنهج والتخصص

لا يجوز لعالِم في الطب الخوض في علوم متخصصة كعلم الحديث النبوي وما يتصل به من الجرح والتعديل ودرجات السند والمتن دون إلمام كافٍ بها؛ فكما لا يتحدث المحدّث في الطب دون رجوع إلى أهله، لا ينبغي لغير المتخصص في علوم الحديث أن يُصدر أحكامًا جاهزة دون الرجوع إلى العلماء المؤهلين. وهذا خطأ منهجي واضح.

ثانيًا: مصادر الشبهة ليست أصيلة

ما يطرحه الدكتور بدراوي ليس فكرًا جديدًا، بل هو صدى لشبهات مستوردة من بعض الكتابات الاستشراقية، مثل كتابات جولدتسيهر، ثم تلقفها بعض الكُتّاب المحليين. وهي نظرة تفتقر إلى الفهم الدقيق لمنهج المحدّثين وتاريخ التدوين.

ثالثًا: السنة كُتبت في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده مباشرة

  1. الكتابة في العهد النبوي: فقد كان عدد من الصحابة يُدوّنون الأحاديث في صحف خاصة، مثل صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص (المسماة بالصادقة)، وقد أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بالكتابة قائلاً: «اكتب، فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق».
  2. الرسائل والعهود: كتب النبي صلى الله عليه وسلم رسائل إلى الملوك والقبائل، وهي جزء من سنته المدونة.
  3. التدوين الرسمي: بدأ التدوين الرسمي الجامع في نهاية القرن الأول الهجري بأمر من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، خشية ضياع العلم بموت الحفّاظ، وقد قام بذلك علماء كابن شهاب الزهري (توفي 124 هـ)، ثم توالت جهود التدوين في القرنين الثاني والثالث الهجريين، حيث ظهرت المصنفات الكبرى كصحيحي البخاري ومسلم، والسنن، والمسانيد.

رابعًا: أسباب تأخر التدوين الشامل

يعود تأخر التدوين الشامل إلى عدة أمور، منها:

1- الخوف من اختلاط الحديث بالقرآن.

2- انصراف همّة الصحابة إلى حفظ القرآن الكريم.

3- قلة أدوات الكتابة.

4- الاعتماد على قوة الحفظ لدى العرب، حيث كانوا مضرب المثل في ذلك.

ولما زالت هذه الأسباب، أُذن بالكتابة وجُمعت السنة.

خامسًا: منهج المحدّثين يضمن صحة النقل حتى قبل الكتابة

اعتمد المحدّثون منهجًا دقيقًا في نقد الرواة والأسانيد، اشترطوا فيه ضوابط صارمة، من أهمها:

1- العدالة والضبط في الرواة.

2- اتصال السند.

3- انتفاء الشذوذ والعلل الخفية.

وقد أقرّ بهذا المنهج الفريد حتى غير المسلمين، وهو ما يحفظ النقل الشفهي بدقة قد تفوق أحيانًا النقل الكتابي.

سادسًا: خُطب النبي صلى الله عليه وسلم موجودة في مصادر السنة

  1. وردت أحاديث تصف هيئته صلى الله عليه وسلم أثناء الخطبة، كحديث جابر بن عبد الله في صحيح مسلم: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته».
  2. كما أن نصوص خطبه متفرقة في كتب الحديث، وقد جمعها العلماء في مصنفات مستقلة، مثل كتاب «إتحاف الأنام بخطب رسول الإسلام».
  3. والعبرة بمضمون الخطبة لا بتحديد وقتها، وكثير من الأحاديث المروية هي في حقيقتها خُطب جمعة، وإن لم يُصرّح الراوي بذلك.

سابعًا: نبوءة النبي صلى الله عليه وسلم بمن يُنكرون سنته

من دلائل صدق السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن فئة ستأتي بعده تدعو إلى الاكتفاء بالقرآن وترك السنة، كما في الحديث: «يوشك رجل متكئ على أريكته يُحدّث بحديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله…» (رواه أحمد والترمذي). وهو ما نراه اليوم واقعًا.

وهكذا فإن السنة النبوية محفوظة بحفظ الله، وقد وضع علماؤها منهجًا نقديًا قلّ أن يوجد له نظير في تاريخ الأمم، والرد على الشبهات يكون بالعلم والمنهجية، لا بالجهل أو الانتقاص. فالسنة هي التطبيق العملي للقرآن، ولا غنى للمسلمين عنها في دينهم ودنياهم.

وكتتمة للمقال، لا بد من الإشارة إلى أن كثيرًا من المستشرقين المعاصرين راجعوا تلك الآراء المتشددة، واعترفوا بدقة منهج المحدّثين.

فالمستشرق الإنجليزي مارغليوث ـ رغم تشكيكه ـ قال: «لا يوجد تاريخ مدوّن دُوّن بدقة مثل تاريخ الإسلام».

كما اعترف المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير بصدق كثير من الأحاديث.

وقال المستشرق المجري عبد الكريم جرمانوس: «أكبر خطأ ارتكبه المستشرقون هو إنكار السنة».

ومن الشهادات العلمية الحديثة:

دراسة البروفيسور الألماني هارالد موتزكي، التي أثبتت صحة منهج المحدّثين عبر تحليل أسانيد الأحاديث.

كما قالت المستشرقة الألمانية زابينه شميتكه: «لا يمكن تجاهل منهج المحدّثين في النقد التاريخي».

ويقول العلامة مصطفى السباعي رحمه الله: «لو أنصفتنا المدارس النقدية الغربية لاعترفت أن علم الحديث هو أرقى ما وصل إليه العقل البشري في نقد الروايات وتوثيق الأخبار».

ولذا سيظل منهج المحدّثين هو المنهج العلمي الأكثر دقة في تقييم الروايات التاريخية، وهو ما بدأ يُقرّ به حتى بعض الباحثين الغربيين المنصفين في الدراسات الحديثة.

وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights