وهم الفطنة
د. طالب بن خليفة الهطالي
ثمة لحظة خفية ينقلب فيها الميزان دون أن يشعر الإنسان؛ لحظة لا ينتهك فيها الحق صراحة، بل يعاد تفسيره ولا تهدم القيم دفعة واحدة، بل يلتف حولها باسم الفطنة؛ في تلك المساحة الرمادية يتقدم الذكاء بوصفه مبررا ويتراجع الضمير بحجة الحنكة ويتحول الانحراف من خلل أخلاقي إلى مهارة متوهمة؛ هناك يولد وهم الفطنة لا كفعل عابر، بل كوعي يعيد ترتيب المعاني ويترك أثره العميق في نسيج العلاقات الإنسانية.
إن وهم الفطنة لا ينشأ من فراغ؛ بل يتكون حين ينفصل الذكاء عن مرجعيته القيمية، ويختزل في القدرة على الالتفاف لا في القدرة على البصيرة؛ في تلك اللحظة لا يخطئ الإنسان لأنه يجهل الصواب، بل لأنه أعاد تعريفه بما يخدم مصلحته العاجلة؛ فيتحول الانحراف إلى حنكة، ويغدو تجاوز القيم دليل ذكاء لا علامة خلل؛ هنا يحدث الانزياح الأخطر، فلا يعود الضمير مرشدا بل عبئاً، ولا تصبح القيم إطاراً للفعل بل عائقاً يتحايل عليه؛ هذا الانحراف في الوعي لا يصرح بعداوته للأخلاق، بل يفرغها من مضمونها بهدوء ويحتفظ بأسمائها بعد أن يسلبها معناها؛ وهكذا لا يسقط الإنسان أخلاقيا بسقوط صاخب، بل بانزلاق صامت يجعل الخطأ مألوفا ويجعل تبريره جزءاً من تعريف الذات.
وإذا استقر الوهم في العقل لم يعد محتاجا إلى خصومة مع الحق؛ بل إلى تأويل يبعده عن مرآته؛ فالنفس إذا ألفت مسلكا أحسنت الذبَّ عنه بالحجج لا طلبا للصواب بل صيانة للصورة التي ارتضتها لذاتها؛ وهنا لا ينكر العيب إنكاراً بل يوارى بستار المعنى؛ فيقال للزيف ضرورة وللتجاوز فطنة وللانحراف مجاراة لأحوال الناس وتقلب الزمان؛ وفي هذا المقام لا يقصى الضمير إقصاء وإنما يساق إلى التأويل سوقا حتى يصبح شاهدا على غير ما شهد به أول مرة؛ ومع طول الصحبة لهذا المسلك تألف النفس زينته ويأنس العقل حيلته فلا يعود الخلل خللا في الحس بل رأيا معتبرا ولا يعود الخطأ موضع مساءلة بل ثمرة فهم يتوهم أنه أعمق من الفهم؛ وهكذا تحجب رؤية العيب لا عجزا عن إدراكه بل استمراء لتأويله حتى يصير الباطل وجها من وجوه الصواب.
ولهذا ما إن يستساغ وهم الفطنة حتى يتجاوز حدود النفس إلى فضاء العلاقة؛ فالعلاقات لا تنهار بضربة واحدة، وإنما تبدأ بالوهن حين يعاد تعريف الثقة، وحين ينظر إلى القرب بوصفه مجال اختبار لا موضع سكينة؛ عندها يتبدل معنى الصداقة، ويغدو القرب حذراً مستتراً، ويصير الصدق مخاطرة لا فضيلة؛ لا لأن القيم غابت فجأة، بل لأن الوهم علّم النفوس أن السلامة في التوجس، وأن الفطنة في الاحتياط. ومع تراكم هذا المعنى، تتآكل الروابط بهدوء؛ فيتراجع الإخلاص لصالح الحساب، ويحل الشك محل الطمأنينة، وتتحول العلاقة إلى معادلة مصلحة لا عهد مودة. وهكذا لا يقف أثر الوهم عند فرد بعينه، بل يمتد إلى نسيج الاجتماع كله؛ إذ لا تقوم علاقة على دوام إذا أسست على الارتياب، ولا يثبت ود إذا صار الذكاء قرينا للخديعة.
وليس كل ما استحسنته النفس فطنة ولا كل ما أحكمت به الحيلة دليلا على عقل راجح؛ فالفطنة في جوهرها بصيرة تنفذ إلى المآلات قبل أن تنخدع بالمكاسب، وميزان يزن الفعل بثمرته البعيدة لا بربحه العاجل؛ فإذا انفصل الذكاء عن هذا الميزان انقلب دهاء قصير النفس، يحسن التخلّص من اللحظة ويعجز عن صيانة المعنى عبر الامتداد. عند هذا المقام يسمى التملص حنكة، ويتخذ الخداع سياسة، ويلبس الانحراف لبوس الحكمة؛ غير أن هذا الذكاء المموّه لا يعمر علاقة ولا يحفظ ذاتا، بل يترك في الداخل خواء يتسع كلما تكررت المراوغة واستمر الارتياب.
وعلى صعيد الفرد لا يمر وهم الفطنة دون أثر؛ إذ يرتد على صاحبه ارتداداً خفيا يضيق معه مجال الطمأنينة كلما ألف الالتفاف؛ ومن جعل الحيلة ميزان الفهم عجز عن السكون إلى وفاء صريح؛ لا لأن الناس خانوه بل لأن نظره اختل فصار يشك فيما لا يُشكّ فيه ويتوجس من الصفاء لأنه فقد أهليته لقراءته؛ وهنا تنكشف المفارقة إذ ما حُسب فطنة تكشّف ضعفاً في البصيرة، وما عُدّ ذكاء بان قصوراً عن احتمال الصدق؛ أما الفطنة الحقّة فتبقى تلك التي تصون المعنى من التبدد وتجعل القيم عماد الاختيار لا ثقله وتمنح العلاقة أسباب دوامها لأن جوهرها يسبق منفعتها ومعناها أرسخ من حسابها.
ولا يكتمل كشف وهم الفطنة إلا حين يُعاد الاعتبار للوفاء بوصفه مظهرا من مظاهر العقل لا نقيضاً له؛ فالوفاء ليس عجزا عن المراوغة ولا قصوراً عن الحيلة، بل قدرة على احتمال الصدق والثبات عليه حين تتغير الأحوال وتضيق الخيارات. إنما يُعرض الوفاء في خطاب الوهم على أنه سذاجة لأن الذكاء المزيّف لا يحتمل ما لا يستطيع تطويعه، فيُسقط عجزه عن الصبر على القيم في صورة اتهام لها. غير أن التجربة الإنسانية تشهد بأن ما يقوم على الغدر لا يدوم، وما يُبنى على الخديعة لا يستقر، وأن العلاقات لا تحفظها الحيل، بل المعاني التي تصان ولو كلف صونها شيئا من الخسارة.
وعلى هذا المسار يتضح أن وهم الفطنة لا يضلل صاحبه في فعله فحسب، بل في نظره إلى نفسه وإلى غيره؛ إذ لا يكتفي بتبرير الخيانة، بل يعيد ترتيب القيم حتى يغدو الوفاء موضع ريبة، والاستقامة علامة غفلة؛ وحين يستقر هذا القلب في الوعي، لا تعود المشكلة في السلوك الظاهر، بل في الميزان الذي صار يحكمه؛ ميزان يرى التفوق في الالتفاف، ويقيس الذكاء بمقدار الإفلات، ويستثقل الصدق لأنه لا يمنح صاحبه نشوة الغلبة. عند هذه العتبة يصبح لا بد من العودة إلى أصل المسألة، لا بوصفها فعلا عابرا، بل بوصفها دعوى عقل تستحق أن تُسائل من جذورها.
وعند هذا الحد يعود المعنى إلى منبته الأول؛ فالغادر لا يحجبه عن عيبه عمى الجهل، وإنما يحجبه عنه استحسان التأويل؛ إذ لو أبصر الخيانة على حقيقتها لما احتاج أن يسميها ذكاء، ولو اطمأن إلى فطنته لما افتقر إلى تصغير من حوله. فدعوى التفوق هنا ليست علامة عقل، بل أثر اضطراب في الميزان؛ لأن العقل إذا اعتدل استغنى عن المفاضلة، وإذا اختل لم يجد لنفسه سندا إلا في ازدراء غيره. وهكذا تنقلب الأسماء في الوعي؛ فتغدو الخديعة حنكة، ويصير الوفاء غفلة، لا لأن اللغة خانت معناها، بل لأن البصيرة انصرفت عن موضعها.
وهذا الانصراف لا يقف عند حدود الفعل، بل يتغلغل في صورة النفس عن نفسها؛ فمن اعتاد أن يرى الناس دونه ليبرر خيانته، فقد شهد على فقر بصيرته قبل أن يحكم على غيره بالنقص؛ وقد صدق التنزيل حين جعل الخطر في تزيين السوء لا في مجرد وقوعه؛ لأن السوء إذا زُيّن سكن، وإذا سكن صار عادة، وإذا صار عادة استحال خروجه من النفس. وقالت العرب: إنما العاقل من عرف قدر نفسه فوقف عنده، لا من أكثر المكر وظن أنه قد بلغ الغاية. فالفطنة التي لا ترى العيب فطنة مكسورة، والذكاء الذي لا يحتمل الصدق دهاء مستتر، وما كانت المروءة عند الحكماء في إحكام الحيلة، بل في إحكام المعنى وصيانة الميزان.



