نقطة أول السطر : حكاية الاستهلاك .. حكاية الإنسان

عادل بن حميد بن عبدالله الجامعي
قراءة هادئة في تعليق وجدته في حالة الواتساب للدكتورة بدرية بنت علي الهنائية:
“نحن بحاجة ماسّة إلى دراسة سلوك استهلاك الأغنياء كما ندرس سلوك استهلاك الفقراء” .. ليس هذا التعليق صرخة احتجاج، ولا هو محاكمة أخلاقية لأحد، بل هو سؤال هادئ، عميق، يطرق بابًا طال إغلاقه في دراسات السلوك الاجتماعي والاقتصادي. سؤال لا يتجه إلى الجيب بقدر ما يتجه إلى العقل الجمعي: كيف يتشكل؟ ومن يقوده؟ ومن يرفع سقفه؟
لسنوات طويلة، انصبت عدسة البحث على الفقير: كيف ينفق؟ لماذا يشتري؟ أين يخطئ؟ تُحلَّل خياراته الصغيرة، وتُفكك قراراته اليومية، ويُطالَب دائمًا بمزيد من الوعي والترشيد. وفي المقابل، ظل استهلاك الغني يُقرأ بوصفه شأنًا خاصًا، أو حرية فردية لا تستحق الوقوف عندها طويلًا.
غير أن علم السلوك يقول لنا شيئًا مختلفًا .. فالسلوك، حين يكون مرئيًا ومتكررًا وصادرًا عن فئة مرجعية، لا يبقى فرديًا. هنا تتقدم نظرية التعلم الاجتماعي لتوضح أن الناس لا يتعلمون فقط من التجربة، بل من الملاحظة. ما نراه يتكرر أمامنا، وما نرى أصحابه يُكافَؤون عليه اجتماعيًا، يتحول – دون وعي – إلى نموذج مرغوب. وهكذا يصبح استهلاك النخبة، لا استهلاك الحاجة، هو ما يصنع الصورة الطبيعية للحياة.
ثم تأتي نظرية المعايير الاجتماعية لتكشف أن ما نعتقد أنه اختيار شخصي قد يكون في الحقيقة استجابة لما نراه متوقعًا منا. فالمعايير لا تصنعها الأغلبية الصامتة، بل الأقلية المؤثرة.. حين يرتفع سقف الترف في الفضاء العام، لا يعود السؤال: هل أحتاج؟ بل: هل يُتوقع مني أن أكون هكذا؟ .. وفي لحظة المقارنة، تعمل نظرية المقارنة الاجتماعية بهدوئها. يقيس الإنسان ذاته بمن يراه أعلى منزلة، لا بمن يشبهه. فينشأ ضغط غير معلن، لا يدفع إلى الشراء فقط، وإنما إلى الشعور بالنقص إن لم يحدث الشراء. وهنا يصبح الاستهلاك محاولة لإعادة التوازن النفسي، لا تلبية لحاجة حقيقية.
أما نظرية السلوك المخطط، فتضعنا أمام الصورة الكاملة: السلوك يتشكل من نية، والنية تتأثر بالاتجاهات والمعايير والقدرة المدركة. حين تُقدَّم أنماط إنفاق عالية بوصفها طبيعية، تتغير الاتجاهات، وتشتد المعايير، ويبدأ الناس بمحاولة اللحاق حتى إن لم تكن القدرة حاضرة. النتيجة ليست خطأ فرديًا بقدر ما هي أثرٌ جمعي .. من زاوية إدارة الجماعات، يتضح أن سلوك النخب ليس تفصيلًا هامشيًا، بل عنصرًا مُشكِّلًا لإيقاع المجتمع. الجماعات تُدار بما يُقدَّم لها بوصفه نموذجًا، لا بما يُطلب منها نظريًا. ولهذا فإن أي قراءة جادة لسلوك المجتمع تبقى ناقصة إن اكتفت بتحليل القاعدة، وتغاضت عن المنبع.
ليس المقصود من هذا الطرح إدانة الغِنى، ولا تقييد الحرية الشخصية، بل محاولة دراسة معرفية في التحليل. أن ندرس الإنسان حين يفتقد، كما ندرسه حين يملك. أن نفهم كيف يصنع الاستهلاك المرتفع معاييره، قبل أن نلوم من يحاول مجاراته.. في النهاية، لا يدور السؤال حول حفلة أو سعر تذكرة، بل حول فكرة أعمق : هل نملك شجاعة أن نحلل التأثير، لا النية؟.. وأن ننظر إلى السلوك الاجتماعي من أعلاه كما ننظر إليه من أسفله؟ .. لعل في هذا التوازن بداية فهم أهدأ، وأكثر إنصافًا، لحكاية الاستهلاك.. وحكاية الإنسان.



