بين الشاشات والهوية : كيف تُعيد وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل عقول الأبناء وقيم المجتمع
الكاتبة والباحثة التربوية سالمة هلال الراسبية جنوب الشرقية.
يتعرض الأبناء يوميًا لسيلٍ متدفق من المحتوى الذي يغرس تصورات جديدة عن النجاح، والعلاقات والحرية وأنماط الحياة، ومع تراجع مساحة الحوار الأسري وتقلص التفاعل الواقعي، تتسع دائرة التأثير الافتراضي، ما يؤدي أحيانًا إلى تشكل هوية مزدوجة تفصل بين الواقع والصورة الرقمية ، ولا يقف الأمر عند حدود السلوك الاجتماعي، بل يمتد إلى تهديد مباشر للأمن الفكري، الذي يمثل خط الدفاع الأول عن استقرار المجتمعات، فالفضاء الرقمي بيئة خصبة لانتشار الأفكار المنحرفة، والخطابات المتطرفة، والمعلومات المضللة التي تُصاغ باحترافية وتُبث بسرعة فائقة ، كما تعزز الخوارزميات حالة الاستقطاب الحاد، حيث يُحاصر المستخدم داخل دائرة فكرية مغلقة تعزز قناعاته وتقصي الرأي الآخر، مما يضعف القدرة على الحوار الموضوعي ويقوض التفكير النقدي ، ومع الانفتاح غير المنضبط على ثقافات مختلفة، قد تتعرض الهوية الثقافية إلى تآكل تدريجي يفقد الأفراد شعورهم بالانتماء والخصوصية ، خاصة حينما ندرك أن العالم شهد في السنوات الأخيرة تحولات رقمية متسارعة جعلت وسائل التواصل الاجتماعي قوة طاغية في تشكيل الوعي الجمعي ، لدى الأطفال والشباب ، فقد تمددت منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وإكس وتيك توك لتصبح موجهًا غير مباشر للسلوك، وصانعًا للرأي، ومؤثرًا عميقًا في منظومة القيم، ولم تعد هذه المنصات مجرد أدوات تواصل، بل تحولت إلى بيئة مهيمنة تعيد صياغة المفاهيم، وتعيد تشكيل البوصلة الأخلاقية لدى الأجيال الناشئة ، لقد أحدث هذا التحول انقلابًا في مفهوم التنشئة الاجتماعية؛ فبعد أن كانت الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية تمثل الحصن الأول لبناء الشخصية، أصبحت المنصات الرقمية شريكًا قويًا ـ وربما منافسًا شرسًا ـ في صناعة الوعي ، وكما ذكرت ذلك في مقال سابق حول مراحل التفكك الأخلاقي في عملية تسمى “إعادة تشكيل القيم” .
وفي هذا السياق، برزت ظاهرة المؤثرين الذين باتوا يشكلون سلطة رمزية جديدة تتجاوز أحيانًا سلطة الأسرة والمعلم. فالمشاهير على هذه المنصات يقدمون أنماط حياة تُضخَّم فيها المظاهر، وتُختزل فيها القيمة الإنسانية في الشهرة والمال وعدد المتابعين، هذا النموذج قد يغرس لدى الأبناء مفاهيم سطحية عن النجاح، ويعزز النزعة الاستهلاكية، ويدفع إلى تقليد أعمى في السلوك والمظهر دون وعي بالسياق الثقافي أو الأخلاقي والصحي، وهنا تتراجع القدوة التربوية التقليدية أمام قدوة رقمية قد لا تتحمل أي مسؤولية اجتماعية في حال تدهورت قيم المجتمع.
ومع ذلك، فإن خطورة التأثير لا تعني حتمية الانحدار؛ فهذه المنصات ذاتها يمكن أن تتحول إلى أدوات تمكين وبناء إذا أُحسن توظيفها، فهي قادرة على نشر المعرفة، وتعزيز المبادرات الإيجابية، وترسيخ القيم السامية، وبناء جسور تواصل حضاري واعٍ، غير أن تحقيق ذلك يتطلب يقظة مجتمعيةو إستراتيجية تربوية واضحة..
تبدأ المواجهة من الأسرة عبر استعادة دورها القيادي في التوجيه، وتعزيز الحوار العميق، وغرس مهارات التحليل والتمييز لدى الأبناء، كما ينبغي للمؤسسات التعليمية أن تتبنى برامج صارمة في التربية الإعلامية الرقمية، تُحصّن الطلبة ضد التضليل والانجراف الفكري، ويقع على عاتق المؤسسات الدينية والثقافية إنتاج خطاب معاصر يجمع بين الأصالة والجاذبية، إضافة إلى دعم صناع محتوى يقدمون نماذج مشرفة تمثل قدوات مسؤولة.
إن المعركة الحقيقية ليست مع التقنية ذاتها، بل مع سوء توظيفها وغياب الوعي في التعامل معها ، فوسائل التواصل الاجتماعي واقع راسخ لا يمكن تجاهله أو عزله، لكن يمكن توجيهه وضبط إيقاعه بما يخدم ثوابت المجتمع ويحمي أجياله ، ومن خلال تكامل الأدوار داخل البيت الواحد وبين المؤسسات التربوية والدينية والثقافية، يمكن تحويل هذا الفضاء الرقمي من مصدر ضغط على القيم والأمن الفكري إلى منصة انطلاق نحو وعي أكثر نضجًا، وهوية أكثر رسوخًا، ومجتمعا أكثر تماسكًا في عالم سريع التحول.



