الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

حين تُحارَب الكفاءة وتُكافَأ التفاهة

   محمد بن سعيد بن مبارك العلوي

في زمنٍ تتسابق فيه المؤسسات نحو التطوير ورفع جودة الأداء، يبرز خللٌ إداريّ خطير يهدّد جوهر العمل المؤسسي، ويتمثل في اختلال معايير التقييم والترقية، حين تُقصى الكفاءات الحقيقية، وتُمنح المواقع القيادية لمن لا يملكون من المؤهلات سوى القرب أو المجاملة أو القدرة على التكيّف مع الرداءة السائدة.

ليست المشكلة في نقص الموارد، ولا في ضغط العمل، ولا حتى في الأخطاء العابرة، فهذه تحديات طبيعية تواجه أي مؤسسة. إنما الخطر الحقيقي يكمن في إدارة العنصر البشري، وفي غياب العدالة المهنية، حين تتحول الكفاءة إلى عبء، والإخلاص إلى تهديد، ويُصبح الموظف المجتهد موضع ريبة بدل أن يكون محل ثقة وتقدير.

في مثل هذه البيئات، لا يُحارَب التقصير، بل يُحاصَر الإتقان. تُستهدف الكفاءات بأساليب ناعمة لا تُدوَّن في اللوائح، ولا تُصرَّح في القرارات، لكنها تُمارَس بفاعلية: تقييد الصلاحيات، تغييب الأدوار، أو إطلاق توصيفات فضفاضة من قبيل “صعب في التعامل” أو “غير منسجم مع الفريق”، تُستخدم لإقصاء من يُنجز، لا لمعالجة خلل حقيقي.

الكفاءة بطبيعتها صريحة، لا تجامل ولا تُجيد الصمت أمام الخطأ. هي مرآة تكشف التقصير دون ضجيج، وتُحرج من اعتادوا إدارة المؤسسات بمنطق السلامة الشخصية لا المصلحة العامة. لذلك كثيرًا ما تُقصى الكفاءات لأنها تُربك المشهد، وتكسر النسق، وتطرح أسئلة لا يرغب بعض الفاشلين في سماعها.

وفي هذا السياق، قدّم الفيلسوف الكندي آلان دونو تشخيصًا عميقًا في كتابه الشهير «نظام التفاهة»، حيث يبيّن كيف تحولت التفاهة في المجتمعات الحديثة إلى منظومة متكاملة تُكافئ الطاعة والسطحية، وتُقصي العمق والاجتهاد، وتُقدّم من يُتقن التكيّف على من يُتقن العمل، وتُعلي من شأن المظهر على حساب الجوهر.

وتتجلّى خطورة هذا النهج حين تتقدم النماذج العادية لا لكفاءتها، بل لأنها الأقل إثارة للأسئلة، والأكثر انسجامًا مع واقع مؤسسي مأزوم. تُكافأ المجاملة، ويُحتفى بالصمت، بينما يُترك العمل المخلص خارج دائرة الاعتراف، فتدخل المؤسسات في حالة من الجمود المقنّع؛ تبدو مستقرة في ظاهرها، لكنها متآكلة في عمقها.

ومن أخطر نتائج هذا الخلل ما يمكن تسميته بالتدرّج الوظيفي غير المتوازن، حيث تُنسب النجاحات إلى غير أصحابها، وتُقدَّم الإنجازات الجماعية بصفة فردية، في ممارسات تُضعف الثقة، وتفكك روح الفريق، وتشيع الإحباط، وتؤثر مباشرة على كفاءة الأداء واستدامته.

أما المسؤول غير المؤهل، فهو عبء مضاعف على أي مؤسسة؛ قراراته ارتجالية، وإدارته قائمة على ردود الأفعال، وأخطاؤه تتحول إلى نمط متكرر لا إلى دروس مستفادة. والنتيجة الحتمية هي استنزاف الموارد، وتراجع الأداء، وضياع فرص تطوير كان يمكن أن تُحدث فرقًا حقيقيًا.

ولا تتوقف آثار هذا الخلل عند حدود المؤسسات، بل تمتد إلى المجتمع بأسره، فالمؤسسات هي عصب الدولة، وضعفها ينعكس على جودة الخدمات وثقة المواطنين وصورة العمل العام. فالأوطان لا تُدار بالشعارات، ولا تُبنى بالوجوه المتصدّرة، بل بالكفاءات الصامتة التي تعمل بإخلاص بعيدًا عن الأضواء.

إن إنقاذ المؤسسات لا يبدأ بإصدار لوائح جديدة بقدر ما يبدأ بقرارٍ أخلاقي شجاع؛ قرار يعيد الاعتبار للكفاءة، ويحمي أصحاب الإنجاز الحقيقي، ويُحاسب من يتسلّقون على جهود غيرهم، ويضع الشخص المناسب في المكان المناسب، لا الأقرب ولا الأعلى صوتًا.

فالمؤسسات التي تحارب الأكْفاء تحكم على نفسها بالانحدار البطيء، مهما بدا شكلها الخارجي متماسكًا. والتاريخ الإداري لا ينسى؛ فهو يُسجّل من بنى كما يُسجّل من هدم، وإن طال الصمت.

وكما يؤكد آلان دونو، فإن مواجهة التفاهة في بيئة العمل تبدأ بالوعي بالقيم الحقيقية، وبالاعتراف بالجهود، ومكافأة العمق والاجتهاد، لا بالمظاهر والارتجال، حتى تبقى المؤسسات قادرة على التقدّم… وقادرة على البقاء.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights