كم لنا من حرية؟

صالح بن ناصر المحروقي
تُعدّ حرية الرأي والتعبير من مقومات الحياة العامة، إذ يصفو معها التفكير، ويستقيم بها النقد، وتقوم بها المراجعة، ويتحسّن بها الأداء العام، وتتكوّن من خلالها ثقة المواطن في وطنه، وثقة الدولة في مواطنيها.
تتكرر في حياتنا أسئلة الحرية بصيغ متعددة، وتتبدّل مفرداتها بين جيل وجيل، ثم تعود إلى أصل واحد، هو رغبة الإنسان في أن يقول ما يراه حقاً، وأن يصف ما يعيشه وصفاً أميناً، وأن يقترح ما يراه الأصلح، وأن يرفض ما يراه ضاراً، وأن يفعل ذلك في مساحة تحميه وتُنضجه معاً.
وفي عُمان توجد لدينا قاعدة قانونية واضحة تنطلق منها هذه المساحة، إذ كفل النظام الأساسي للدولة حرية الرأي والتعبير عنه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير ضمن إطار القانون، وهي صيغة تحمل دلالة مزدوجة، فهي تُثبت الحق من حيث الأصل، وتربطه في الوقت نفسه بنظام قانوني يحفظ توازنه، ويضمن ممارسته بوصفه حقاً عاماً ومنظَّماً.
ينبثق السؤال الحقيقي من زاوية التطبيق لهذا الحق، فالنص الدستوري يؤصله كمبدأ، ثم تتولى القوانين التفصيلية ضبط حدوده، وتأتي بعدها المؤسسات الرقابية والتنفيذية لتدير هذا الحق على أرض الواقع، وهنا تظهر الفوارق بين مجتمع يطمئن إلى أن النقد جزء من بنائه وتطوره، ومجتمع يتعامل مع النقد بوصفه خصومة، فيختلط الإصلاح بالتجريح، وتختلط المصلحة العامة بالاتهام الشخصي.
أستأنس هنا بمعنى قديم عند مونتسكيو، ربط فيه الحرية السياسية باطمئنان الإنسان إلى نفسه، ورأى أن ضبط السلطة، وتوزيعها، ورقابتها، يصنع بيئة تقل فيها فرص التعسف والفساد، ويكبر فيها مجال الأمان القانوني، وهو معنى يُعطي فهماً للحرية بوصفها نظاماً يحفظ المجتمع، ويمنحه استقراراً مؤسسياً.
كما يتعمق ذات المعنى مع فلاسفة آخرين، فجون لوك ربط الحقوق الطبيعية بحق الإنسان في الحياة، والحرية، والملكية، وبنى فكرة التعاقد على رضا المحكومين، وجان جاك روسو شدّد على فكرة الإرادة العامة بوصفها معياراً جامعاً للمصلحة المشتركة، ومع اختلاف السياقات تبقى الخلاصة واحدة، وهي أنّ حرية التعبير تعمل كآلية تصحيحية، وتعمل كقناة للتواصل، وتعمل كاختبار مستمر لسلامة القرار.
وفي تراثنا الإسلامي ما يعزز لهذا المعنى، فالقرآن الكريم يضع أمامنا مشهداً تأسيسياً لمشروعية السؤال وحق التعبير، في قوله تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون”، وهو مشهد يثبت أنّ التساؤل الصريح هو جزء أصيل من طبيعة الكائن العاقل، وأن التعبير عن الرأي لا يُسلب حتى في أعلى مراتب الخطاب.
من هنا ينبغي أن تُفهم حرية التعبير بوصفها طاقة اجتماعية إذا وُجهت في مسارها الصحيح، إذ تتحول إلى تغذية راجعة تُعين الدولة على رؤية ما قد يغيب عنها، وتعين المجتمع على تعميق وعيه، وتعين النخب الثقافية والفكرية على تطوير خطابها، وتعين صانع القرار على مراجعة سياساته، فتتراكم الخبرات في اتجاه يخدم الصالح العام.
وتبقى حرية التعبير مصونة ومكفولة ما دامت منسجمة مع ما قرره النظام الأساسي للدولة، فهي حق أصيل طالما أنه يُمارس ضمن النظام العام والآداب العامة، وفي إطار يجنّب التحريض على العنف أو الكراهية أو الفوضى أو أي مسار يمكن أن يربك السِّلم المجتمعي، ومثل هذا الضبط القانوني هو الذي يحفظ للحرية قيمتها، ويجعلها مكسباً وطنياً حقيقياً.
وضمن هذه الحدود، فإنّ الكاتب يمارس دوره المشروع عندما يأتي نقده في صورة تشخيص لمشكلة واقعية، أو توصيف لخلل قائم، أو اقتراح لإصلاح ممكن، من غير أن يحمل النص إيحاءات تصفية شخصية، أو استهدافاً لأشخاص أو جهات بعينها، فمثل هذا النقد يظل في جوهره خدمة للمجتمع، وإسهاماً في تحسين الأداء العام.
وفي المقابل يحتاج صاحب القرار إلى قناعة راسخة بأنّ اتساع مساحة النقد المسؤول يصب في مصلحة الدولة نفسها، إذ تتقدم المجتمعات بارتفاع منسوب الحرية، وترتقي حضارياً كلما اتسعت فيها مساحة الرأي والتعبير، حيث تعمل الصحافة والكتابة والفكر بوصفها سلطة رقابية مساندة، تؤدي دورها كما يؤدي الطبيب والمهندس والمعلم أدوارهم في خدمة المجتمع.
وفي المحصلة، تظل حرية التعبير ركناً من أركان التقدم والاستقرار، فهي التي تعزز الثقة بين المجتمع والدولة، وهي التي تفتح مسارات المراجعة والتقويم، وتمنح الوطن قدرة أكبر على التطور، ضمن إطار قانوني واضح، ومسؤولية مشتركة، ورؤية تؤمن بأن الصوت العاقل أحد أعمدة البناء.



