السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
مقالات صحفية

يوم اللغة العربية… شرف الاختيار ومسؤولية البقاء

محمد بن علي بن سالم الشعيلي

يكفينا فخرًا وشرفًا أن الله تعالى اختار اللغة العربية لتكون لغة كتابه الخالد، فأنزل بها القرآن الكريم، وجعلها وعاء رسالته إلى البشرية جمعاء، لتبقى محفوظةً بحفظه، خالدةً ما بقي الوجود. وليس في هذا الاختيار تشريفٌ للعربية فحسب، بل تكليفٌ لأهلها وحَمَلَتها أن يصونوها، ويحفظوا مكانتها، ويورثوها للأجيال كما أُنزلت: عزيزةً، واضحةً، حيّةً.

لقد ارتبطت العربية بالقرآن ارتباط الروح بالجسد؛ فكانت اللغة التي تحمل الإعجاز، وتنقل المعنى الإلهي بدقةٍ وبلاغةٍ لا تُضاهى. ومن هنا اكتسبت العربية قدسيتها وسموّها؛ فليست مجرد أداة تواصل، بل هوية أمة، وذاكرة حضارة، ولسان فكرٍ وعلمٍ وإبداع. بها كُتبت أعظم صفحات التاريخ، وبها ازدهرت العلوم، وتألقت الفلسفة، وتغنّى الشعر، وتشكّل الوجدان العربي والإسلامي.

ويأتي يوم اللغة العربية ليذكّرنا بأن هذا المجد لا يُحفظ بالشعارات، بل بالفعل والوعي والمسؤولية. فصون العربية يبدأ من احترامها في حديثنا اليومي، والاعتزاز بها في كتاباتنا، والتمسك بها في تعليمنا وإعلامنا ومؤسساتنا. ويبدأ كذلك من تنشئة الأجيال على حبها، لا بتعقيدها، بل بتقديمها لغةَ حياة، قادرةً على مواكبة العصر، واستيعاب العلوم، والتعبير عن الحداثة دون أن تفقد أصالتها.

ولا شك أن التحديات التي تواجه اللغة العربية اليوم كبيرة، في ظل طغيان اللغات الأجنبية، وانتشار اللهجات، وتراجع الاهتمام بالفصحى في بعض المنابر. غير أن قوة العربية تكمن في مرونتها، وغناها، وعمقها، وفي ارتباطها بكتابٍ تكفّل الله بحفظه، فقال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وحفظ الذكر حفظٌ للسانه، وبقاءٌ للعربية إلى قيام الساعة.

وفي يوم اللغة العربية، لا نحتفل بحروفٍ وكلماتٍ فحسب، بل نحتفي بهويتنا، ونجدّد عهدنا مع لغةٍ اختارها الله، فحريٌّ بنا أن نختارها في حياتنا، وأن نصونها قولًا وكتابةً وسلوكًا. فالعربية أمانة في أعناقنا؛ ومن صان لغته صان تاريخه، ومن فرّط فيها فرّط بجزءٍ من ذاته.

فلتبقَ العربية شامخةً كما أرادها الله، ولنبقَ نحن أوفياء لهذا الشرف العظيم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights