الإثنين: 16 مارس 2026م - العدد رقم 2856
مقالات صحفية

معزولاً في هذا العالم

 صالح بن ناصر المحروقي  

في زحمة من الحياة، تجد نفسك جالساً في مقهى مألوف، تحفّ بك وجوهٌ كثيرة، وأحاديثُ متداخلة، وضحكاتٌ يتردد صداها في الأرجاء، تُخرج هاتفك، ثم تتصفّحه بصمت، يثيرك مقطعٌ عابر، وتستوقفك صورة نشرها أحدُ أصدقائك.

ثم، ومن غير إنذار، يُداهمك شعور غامض بأنّ شيئاً ما مفقود؛ فكل ما حولك حيٌّ، ونابض، إلا ما بداخلك، فليس فيه إلا الصمت الكئيب..

في ذلك الصمت شعورٌ خانق بالوِحدة، وصوتٌ من أعماق روحك، يُناديك بأنك أصبحتَ معزولاً في هذا العالم، فلم تعد تنتمي لأحد، ولا أحدٌ ينتمي إليك!

بدأت حكايتك مع تلك العُزلة يوم أقنعوك بأن الإنسحاب من بعض العلاقات حِكمة، ويوم ظننتَ أن اكتفائك بنفسك فضيلة، وأن الحفاظ على هدوئك يقتضي الإبتعاد عن كل من يعكّر صفوك.

تسلّلتْ تلكم الأفكار إلى عقلك الباطن، في هيئة نصائح مُنمّقة، تلقّفْتها من أفواه تزعمُ الفهم في النفس والعلاقات، فزرَعتْ فيك ميلاً للعزلة، وأغرتك بوهم الإستغناء.

ومُذَّاك يا صديقي،، بنيتَ لنفسك سِياجاً من الصمت، ونسجتَ حولك شرنقةً من الغياب، وأغلقتَ بابك في وجه كل من فكر في الاقتراب منك.

ما كنتَ تدري يومها أنَّ ما حسبته حفظاً للروح، لم يكن في حقيقته سوى سجناً لها، وأنَّ ما ظننته حِرصاً على التوازن، لم يكن إلا انسحاباً من الحياة، حتى استيقظت ذات يوم فوجدت نفسك مُفلساً من كل علاقة كان بمقدورها أن تمنحَ لحياتك طعماً ومعنى.

وخلفَ تلك العزلة، تخلَّقتْ على روحك طبقاتٌ من الخواء والشعور بالعدمية، لم تُفلح في ملئها بكلِّ نجاحاتك، ولم تقدر على إسكات ضجيجها بكل مُلهياتك، لأن الذي غاب عنك هو أنك في نهاية الأمر إنسان، والإنسان لا يحيا إلا بعلاقاته.

لقد أثبتت أطول دراسة لجامعة هارفارد، أنَّ أكثرَ ما يصنعُ سعادة الإنسان ليست ثروته، ولا شهرته، بل علاقاته القوية والدافئة.

يكفيكَ أن تنظر فيمن حولك، لتجدَ أنَّ الذين يعيشون في محيط من المحبة والوِداد، هم أدوم الناس صِحةً، وأكثرُهم توازناً، وأطولُهم أعماراً.

كم نقسو على أنفسنا حين نقطع خيوط الودّ لأجل زلات عابرة بيننا، مع أن العلاقات وإن شابها شيء من الكدر، فهي تبقى سبيلاً للتزكية؛ إذ يتخللها من الألم ما يُهذّب الطبع، ومن الصبر ما يُربّي النفس، ومن التجربة ما يُنضج الشعور والروح معاً.

وخلاصة الحديث، هو أن كلُّ ما تحتاجه لتملأ ذلك الفراغ الذي بداخلك، هو يداً حانية تربِتُ على كتفك، وقلباً صادقاً يفهمك دون أن تتكلم، وشخصاً مُحباً تشعر في قربه بأنك لست معزولاً في هذا العالم.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights