الأسرة وتفهم طبيعة الأجيال
د. سعود ساطي السويهري
تُعد الأسرة اللبنة الأولى، والبيئة الأساسية والتعليمية لبناء المجتمعات، ومنها يتعلم الأطفال القيم والعادات والتقاليد والأخلاق والسلوكيات واللغة التي تُسهم في تشكيل شخصياتهم، وتؤثر في نموهم وتطورهم عبر الأجيال. كما تمثل الأسرة عاملًا مهمًا في تحقيق التوازن بين التأثير والتأثر، واكتساب المهارات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية الرقمية، لما لذلك من أثر واضح في الأبناء، حيث يتوقف عليه كثير من العوامل اللاحقة في بناء وترسيخ ملامح قد تنعكس إيجابًا أو سلبًا على النشء وسبل تفهمه والتعامل معه.
وتسير الحياة عبر التاريخ دون توقف، وتتوالى معها فترات زمنية متعاقبة تعيش فيها مجموعات من الأشخاص وُلدوا وعاشوا في الحقبة العمرية نفسها، وتتشابه فيما بينها من حيث الخصائص والسمات التي تميزها، وهو ما يُعرف بالأجيال. ويبدأ ذلك من جيل “البناء” الذي عاش فترة الحرب العالمية الأولى، وعُرف بقدرته على التكيف والبناء رغم الكساد الذي كان يعم العالم آنذاك، وصولًا إلى جيل “ألفا” المعروف باستخدام التكنولوجيا والتأثر بها والتعايش معها.
وفي العصر الحالي نقف على أعتاب نهاية جيل “ألفا” مع نهاية عام 2025م، بما يحمله من خصائص وسمات تتخللها العديد من الصعوبات والتحديات الناتجة عن هيمنة التكنولوجيا الحديثة والإنترنت، والتعامل مع الآخرين عبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والحواسيب. كما نستقبل في بداية عام 2026م جيلًا جديدًا يُطلق عليه جيل “بيتا”، الذي قد يكون أكثر تعقيدًا، ويتطلب منا وعيًا أعمق ومواكبة أكبر في أساليب الفهم والتعامل والتنشئة والتربية.
ويُطلق البعض على جيل “ألفا” مسمى الجيل البصري، لاعتماده على المشاهدة والتفاعل مع الشاشات، إضافة إلى النزعة نحو الاستقلالية واتخاذ القرارات دون الرجوع إلى الآخرين أو الاستماع إلى توجيهاتهم ونصائحهم. كما يتفاعلون مع المجتمع من خلال الأجهزة الرقمية، مبتعدين عن التفاعل المباشر مع الأسرة والأصدقاء والأقارب، ويقضون معظم أوقاتهم بعيدًا عن الاجتماعية وروح الألفة والتعاون الواقعي المباشر، مستبدلين ذلك بالتفاعل الإلكتروني عبر التكنولوجيا، الأمر الذي يضع الأسرة والمجتمع أمام تحديات حقيقية، على الرغم من الفوائد التي تقدمها التكنولوجيا.
وبناءً على ما سبق، ينبغي على الأسرة والمجتمع وضع ضوابط وحدود للأبناء، بما يمنع الاستغراق في عالم التكنولوجيا الواسع، الذي قد يُغرقهم في دوامة الفضائيات والرقميات. ومن هنا برزت مفاهيم حديثة مثل الوالدية الرقمية، وهي ثقافة يتعلمها الآباء بوصفها ضرورة ومتطلبًا للتقدم التكنولوجي المعاصر، تمكنهم من مواكبة هذا التطور، وترشيد الأبناء نحو الاستخدام الأمثل للتكنولوجيا، وتحقيق المواءمة بين القديم والجديد. وإذا كانت التربية وفق المنهج الإسلامي قد دعت الوالدين إلى القيام بدورهم في التعليم والرعاية الإسلامية، فإن الرعاية الرقمية باتت اليوم من الضرورات ومسؤوليات الأسرة في هذا العصر.
ولا بد من الإشارة إلى أن فكرة هذا المقال لا تلغي دور الأسرة أو التمسك بقيمها وثوابتها الإسلامية الراسخة، بل تهدف إلى التوعية وجذب الانتباه إلى أهمية التمسك بهذه القيم مع مواكبة المستجدات الحديثة. وخير دليل على ذلك مقولة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: “علّموا أولادكم وهذبوهم فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم”، إذ تفهم منها أن الحياة تقوم على قيم ثابتة لا تتغير بتغير الزمان، ومهارات تتبدل وتتطور من زمن إلى آخر، بما يعني ضرورة مسايرة التقدم دون الإخلال بالثوابت.
ووفقًا لهذا النهج، فإن على الآباء والأمهات في هذا العصر العمل على:
• توضيح وتعظيم دور الأسرة، وترسيخ روح التكاتف والتماسك الأسري.
• مسايرة التقدم من أجل مشاركة الأبناء طبيعة وظروف العصر.
• تبني ثقافة التوجيه المستمر والرعاية اليقِظة لهذا الجيل.
• فتح الأحاديث مع الأبناء حول إيجابيات وسلبيات التكنولوجيا.
• تعزيز التواصل المفتوح مع الأبناء، ومتابعة التقدم الرقمي المتزايد.
• توفير بدائل للتكنولوجيا، مثل الألعاب التعليمية والكتب المفيدة.
• حماية الطفل والمحافظة عليه من المخاطر التقنية المحتملة.
• تشجيع ممارسة الأنشطة الرياضية والفنية والترفيهية.
• المشاركة الفعالة مع الأبناء عند التعامل مع التكنولوجيا.



