مقالات صحفية

الأم ليست معلمة بديلة … والتعليم يبدأ من المدرسة لا من المنزل

د. إنعام بنت محمد المقيمية – مستشارة نفسية 

في السنوات الأخيرة برزت ظاهرة تربوية مثيرة للجدل، حيث بدأت بعض المعلمات في تحميل الأمهات مسؤوليات تعليم أبنائهن داخل المنزل بطريقة تُشعر الكثير من الأسر بأن البيت أصبح صفًا دراسيًا كاملًا. كثير من الواجبات التي يفترض إنجازها داخل المدرسة أصبحت تُرسل لتقوم بها الأم : قراءة وتقييم، وتصحيح إملاء، وإجراء اختبارات تقريبية، بل وحتى متابعة حفظ السور، تسجيل فيديوهات وصوتيات لتقييم الطالب، وتحضير دروس قبل أن تُدرّس داخل الصف. وبذلك يتحول دور الأم من داعمة للتعلم إلى معلّمة ثانية تعمل دون توقف.

من الطبيعي أن يسهم البيت في مراجعة ما يتعلمه الطالب، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الواجبات المنزلية إلى عبء تعليمي كامل يُفترض أن يحدث داخل غرفة الصف. الأنشطة التي يجب أن تتم داخل المدرسة—مثل القصّ، التلوين، اللصق، حل التمارين، وتجهيز الأنشطة التي ستُطبق في الحصة—أصبحت مهامًا إضافية تُلقى على الأمهات، بينما يقضي الطلاب أوقاتًا طويلة خارج الصف دون ممارسة حقيقية للمهارات التي يفترض أن يتعلموها.

هذا التحول لا يؤثر فقط على جودة تعلم الطالب، بل يضع ضغطًا كبيرًا وغير عادل على الأمهات اللواتي يتحملن مسؤوليات عديدة داخل البيت. ومع هذا الضغط المتزايد، يصبح تقييم مستوى الطالب غير حقيقي؛ فالتقدم في الواجبات يكون نتيجة جهد الأم المباشر، لا نتيجة تعلم الطالب داخل المدرسة. وهكذا تتشكل فجوة واسعة بين قدرات الطالب الحقيقية وما يظهر أمام المدرسة من أداء مصطنع ناتج عن تدخل الأهل.

دور المعلم داخل الصف يجب أن يكون في شرح المهارات، تدريب الطالب، منحه فرصًا كافية للممارسة، وتقييمه ضمن بيئة تعليمية واضحة، بينما يبقى دور الأسرة مساندًا وداعمًا فقط. حين تتولى الأم التحضير والتدريس والتقييم، تغيب الاستراتيجيات الصفية، ويغيب الشرح المنهجي، ويضيع معنى التعليم الحقيقي الذي يفترض أن يحدث داخل الفصل وليس خارجه.

الأم ليست بديلًا للمعلم، والبيت ليس صفًا دراسيًا. التعليم مسؤولية المدرسة أولًا، والأسرة دورها مكمّل لا بديل. وإن أردنا رفع مستوى التعليم وحماية العملية التربوية من الفوضى، فلا بد من إعادة الأدوار إلى مكانها الصحيح، وإعفاء الأمهات من أعباء دراسية ليست من مسؤولياتهن، وترك التعليم ليتم داخل المدرسة كما ينبغي.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights