ناصر بن علي بن مكتوم الهنداسي وحياة بين الغربة والوطن (١٩٣٩م – ٢٠١١م) الجزء ٢

سعيد بن خميس الهنداسي
في عام ١٩٧٣م قرر ناصر بن علي بن مكتوم الهنداسي أن يطوي صفحة البحرين، بعد سنوات من العمل والعيش هناك، متجهًا مع زوجته وأطفاله إلى دولة قطر، أملاً في تحقيق استقرار مالي ومعيشي أفضل. لكن ما خطط له لم يتحقق على أرض الواقع فسرعان ما اكتشف أن الفرص في قطر لم تكن كما توقع، وبدلاً من التحسن، ازدادت التحديات، وواجهت الأسرة صعوبات مادية ومعيشية أكبر.
ولم يكن ناصر من أولئك الذين يستسلمون، فحين رأى أن الوضع يسير نحو الأصعب، اتخذ قراره سريعًا، وشدّ الرحال إلى أبوظبي، التي بدأت آنذاك تشهد طفرة اقتصادية وتنموية بعد أن سمع كثيرًا عن تحسن الوضع المعيشي في الإمارات، خاصة عقب تأسيس اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة عام ١٩٧١م، والذي جمع سبع إمارات وشكّل نقلة نوعية على المستوى الاقتصادي والمعيشي والسياسي، وهكذا بدأ فصل جديد في رحلة ناصر، باحثًا عن فرصة حقيقية تحفظ كرامته، وتمنحه وأسرته حياة يستحقونها بعد كل ما مرّوا به من صبر وغربة وكفاح.
هناك، في أبوظبي، بدأ ناصر فصلًا جديدًا من مسيرته، وهو ما سيُكمل ما بدأه في البحرين من رحلة طويلة من التعب، والعطاء، والنجاح وحنين لا يغيب إلى تراب الوطن، بعد وصول ناصر إلى أبوظبي، استبشر خيرًا، فقد وجد في استقباله عدداً من أبناء منطقته بالغليل، ممن سبقوه إلى هناك واستقروا مع عوائلهم، فخفّف عليه وطأة الغربة، وشعر كأنه بين أهله وناسه.
وفي تلك الفترة، تكرّم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه بمنح كل متزوج بيتًا له ولأسرته، بغض النظر عن جنسيته، بشرط أن يقوم بتسجل طلبه لدى الجهات المختصة ، وكذلك المقيمًين في بيوت خشبية مؤقته “صندقة”.
ناصر، الذي كان يسكن عند بداية وصوله منطقة الحضارم بأبوظبي، تمكّن من تسجيل طلبين للسكن: أحدهما باسمه، والآخر باسم انسابه، وهكذا نال ناصر ما ناله غالبية أهل الغليل المقيمين في أبوظبي، الذين حصلوا على بيوت عززت من استقرار حياتهم فكانت بمثابة نقلة نوعية في حياتهم.
وبحكم خبرت ناصر في قيادة السيارات، فقد قام بشراء سيارة صالون، وحوّلها إلى سيارة اجرة، حيث كان المردود المالي ممتازًا، خاصة في وقت كان فيه الطلب على وسائل النقل في ازدياد.
وفي النصف الثاني من عام ١٩٧٤م، جاءت الفرصة الأهم في مسيرته، حيث تم قبوله للعمل في شرطة مرور أبوظبي، وهو ما وفّر له دخلًا ثابتًا واستقرارًا وظيفيًا، إلى جانب استمراره بالعمل في سيارة الأجرة في أوقات فراغه، وهكذا، استقر ناصر وأسرته في أبوظبي، وتحسن وضعه المعيشي تدريجيًا، جامعًا بين الوظيفة الرسمية والعمل الحر، ومستفيدًا من رؤية رئيس دولة الإمارات الحكيمة، الشيخ زايد التي فتحت الأبواب للكثير من أمثاله لبناء حياة كريمة ومستقرة في أرض الإمارات.
بعد أن وجد ناصر الاستقرار في أبوظبي، سواء من حيث الوضع الاجتماعي أو الوظيفي أو المادي، شعر أن الوقت قد حان لرد الجميل لأسرته في عمان، فسافر مع زوجته وأولاده إلى السلطنة، وهناك التقى بوالده علي بن مكتوم، وإخوته راشد وعبدالله، وابن أخيه المرحوم خميس، ذلك اللقاء الذي أيقظ فيه مشاعر المسؤولية والانتماء، وزاد من عزيمته لرد الجميل.
ومن وفائه لأخيه خميس، قام ناصر بتسجيل ابن أخيه سعيد في جواز سفره، بهدف نقله معه إلى أبوظبي، وفتح آفاق جديدة أمامه، وبالفعل، التحق سعيد بالدراسة هناك، وتكفّل ناصر به، وكان له بمثابة الوالد والمعلم والسند.
وبفضل هذه الرعاية، استطاع سعيد أن يعتمد على نفسه شيئًا فشيئًا، حتى وجد له عمه ناصر وظيفة في إدارة الجوازات بأبوظبي، فبدأ بذلك مسيرة الاستقرار والبناء الذاتي، تمامًا كما فعل عمه من قبله، كانت هذه الخطوة إحدى علامات الوفاء العميق في شخصية ناصر، الذي لم ينسَ أهله، ولا تنكّر لأصوله، بل ظلّ جسرًا بين الغربة والوطن، وبين الماضي والمستقبل.
بعد أن بلغ ناصر بن علي بن مكتوم الهنداسي سن الستين، وانتهى عقد عمله العسكري في شرطة مرور أبوظبي، قرر أن يعود إلى وطنه عمان ليستقر هو وزوجته واطفاله في البيت الذي بناه بعد سنوات من الكفاح في الغربة.
ولم تكن عودته مجرد استراحة، بل كانت بداية مرحلة جديدة من العطاء المجتمعي، حيث سعى ناصر إلى رد الجميل للمجتمع المحلي، فأسس مشروعًا مجتمعيًا خيريًا، من أبرز ملامحه احتضانه لمجموعة الرزحة، إيمانًا منه بأهمية الحفاظ على التراث الشعبي، كما ظل عضوًا فاعلًا وداعمًا للفريق الرياضي في منطقته “الغليل”، دعم بدأ منذ وجوده في البحرين، واستمر خلال فترة عمله بالإمارات، وحتى آخر أيامه في عمان.
وبعد وفاة زوجته أم خالد شريكة دربه الأولى رحمها الله، عانى ناصر من فراغ عاطفي وإنساني كبير، استمر لسنوات، إلا أن الله عوضه في أواخر حياته بزواج ثالث، رزقه الله منه طفلين وبنت، فكان بذلك أبًا من جديد في سنوات الحكمة والنضج.
اشتهر بالكرم فهو كريم النفس، واسع العطاء، صافي القلب، وقد انعكست عليه السنوات التي قضاها في مجالسة الشيوخ والأمراء، فحمل في طباعه الوقار، والتواضع، وحب الخير والكرم.
توفي ناصر عن عمر ناهز ٧٢ عامًاً، بعد حياة حافلة بالغربة، والعمل، والعطاء، والوفاء، والكرم، رحمك الله يا أبا خالد، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة، وأسكنك فسيح جناته مع الصالحين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقًا.



