الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

أنواع السُّرَّاق

د. أحمد محمد الشربيني

جبتُ الأصقاعَ والآفاق، وعرفتُ الصادقَ والأفَّاق، فخبرتُ السُّرَّاق على صنوفٍ وأخلاق، فخذْها بلا مَنٍّ أو اختلاق:

(١) فثَمَّةَ سُرّاقُ المال، وتراهم على صنوفٍ وأحوال؛ منهم من يسرق البيضة والدجاجة، تدفعه الفاقة والحاجة، ومنهم من يسرق الناقة بما حملت، والسفينة بما أقلّت.
قال الأصمعي: كنتُ أقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فقال أعرابي بجانبي: كلامُ مَن هذا؟ فقلت: كلامُ الله. قال: أعد.
فأعدت، فقال: ليس هذا كلامَ الله.
فانتبهتُ وقرأت: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (سورة المائدة: ٣٨).
فقال: أصبت. فقلت: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمن أين علمت؟ قال: يا هذا، عزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع… فالسُّرَّاق أمام الله سواء في العقوبة والقضاء.

(٢) وثَمَّةَ سارقُ العلم والفكر، ربيبُ الخِسَّة والفُجْر، يغير على أسفار العلماء وتراث القدماء ومتون الفقهاء وقريض الشعراء ومداد الأدباء، لا يستحي أن يسرق سطرًا أو فصلًا مُسَبْطَرًا… وهذا السارق اللعين، المُغير على نتاج المبدعين، ملعون إلى يوم الدين، وموقوف بين يدي رب العالمين.

(٣) وثَمَّةَ سارقُ النظرة، بريدُ الشهوة النخرة، يرسل السهام القذرة بأجفانٍ وقحةٍ شَذِرة، لكل ناهدٍ طروب، وكاعبٍ لعوب؛ لا يعنيه قريب أو جار، ولا تردعه جنة أو نار، لأن نفسه أُشرِبت روحَ الفُجّار. فله ما كسب من الأوزار، وعاقبة الدار، والعار.
ومن عافاه الله من ذاك الداء الوبيل، واستعد للرحيل، فتركها مخافةَ العظيم الجليل، كان من النفوس الطاهرة، ورزقه الله الرحمة والمغفرة.
قال رسول الله ﷺ: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ».
رواه أحمد في مسنده وابن حبان والحاكم والبيهقي عن عبادة بن الصامت.
وقال ﷺ: «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة، ثم يغض بصره، إلا أحدث الله له عبادةً يجد حلاوتها في قلبه». رواه أحمد والطبراني، وقال: ينظر أول رمقة بغير قصد، ثم يصرف بصره.
وقال ﷺ: «ثلاثة لا ترى أعينهم النار: عين حرست في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله، وعين كفَّت عن محارم الله». رواه الطبراني ورجاله ثقات.

(٤) وثَمَّةَ سارقُ القلوب والخواطر، وبهلوانُ العواطف الماهر، يسامر العذارى، ويسابق السكارى، بلسانه المعسول وحبه المسلول، وما أن يوقع بالضحية حتى يجعلها كالأضحية المنسية…
قناعه وراء الفيس والماسجات وبريق التعليقات الحالمات… شعاره الإيقاع بالنساء دهاء، والعبث بوجدانهن بهاء.
فالغواني يغرهن الثناء!
ولله در الشاعر:
سأترك ماءكم من غير وردٍ
وذلك لكثرة الوراد فيه
إذا سقط الذبابُ على طعامٍ
**رفعتُ يدي ونفسي تشتهيه
وتجنبتُ الأسودَ ورودَ ماءٍ
إذا كانت الكلابُ ولغن فيه!!!
وذاك السارق الأبله، عاقر الكأس والحفلة، نتاجُ التعلق بالدنيا، وطريدُ الخِسَّة والغفلة… عقابه أليم من لدن العدل العظيم.

(٥) وثَمَّةَ سارقُ الفرصة اللعين، يقنص الكحل من العين، يغتال أحلام الطامحين، ويتخطى رقاب المبدعين… يسرق الرتب والنياشين، ويشيطن الصادقين… ينسب لنفسه الإنجازات وخالد الانتصارات…
له قناعُ دموع الأحداق، ودرعُ الرياء والنفاق، وسيفُ التدليس والاختلاق…
ولله در القائل:
هذا الزمان لئامُ الناسِ تعلوهُ
غِرٌّ خليعٌ ودجالٌ ومعتوهُ
فيه المنافقُ محبوبٌ ومعتبَرٌ
وقائلُ الحقِّ بين الناس مكروه!!

(٦) وثَمَّةَ سارقُ الفرحة النضيرة، سلاحه الحسد والغيرة… فمٌ يسبح ويدٌ تذبح؛ طمَّاعٌ أَشِرٌ، حقدُه مستعر… يتمنى زوال النعمة عن الآخرين…
قال تعالى: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ (التوبة: ٥٠).

(٧) وثَمَّةَ سارقُ الروح والوجدان، وحادي الغفلة والنسيان… وتلك آفةُ الغربة والترحال والبعد عن الأهل والعيال.
ولله در شوقي حين قال:
اختلافُ النهارِ والليلِ يُنسي
… والعهدَ في الليالي تَقْسى!!!!

(٨) وثَمَّةَ سارقُ التاريخ والآثار، ينقِّب في الأجداث والديار، يلهث وراء التمثال والتابوت من لدن مينا إلى توت… لا تعنيه حضارة الأمة، بل القصر والرزمة… قبلته الزئبق الأحمر، ومعبده المعدن الأصفر!!!

(٩) وثَمَّةَ سارقُ الوطن، يتاجر به عبر الزمن… يبيع أحلامه، ويحطم أعلامه… ينهب الثروات باسم المشروعات، ويُقيم الحفلات باسم المؤتمرات…
يرفع الأقزام، ويقصي الأعْلام… سلاحه أبواق الإفك، وشعاره المكر والدهاء…
تراه في كل عصرٍ تحت القبة والقصر… وفي كل قريةٍ أو مَصر.

(١٠) وثَمَّةَ سارقُ الوقت والعمر، وناقوسُ الضياع والخُسر… حيث التسويف والأمل بطول الأجل بلا خوفٍ من الموت ولا وجل…
قال تعالى:
﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ • وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ۚ ذَٰلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ • وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ • لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (ق: ١٩–٢٢).

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights