الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

عُمان .. ضياءُ نوفمبر

 صالح بن سعيد الحمداني

يهلّ العشرون من نوفمبر على عُمان كأنه قنديلٌ معلقٌ في سماء التاريخ، يشعّ نورُه منذ قرونٍ بعيدة، فيوقظ في القلوب دفئًا قديمًا، ويبعث في الروح نبضًا يشبه خفقة جناحٍ يلامس الفجر، إنه ليس يومًا يُسجَّل بحبر التقويم، إنه صفحةٌ من زمنٍ حيّ، تُطِلّ على الوطن كما تُطِلّ الشمس على سفح جبل، فتكشف ملامحه، وتعيد للأرض لونها الأول، ففي هذا اليوم المهيب تأسست دولة آل سعيد، دولةٌ كالنخلة ضاربةٌ في الجذور، باسقةٌ في العطاء، تتحدى رياح السنين، وتمنح أبناءها ظلًا لا يزول، ونوفمبر… آهٍ من نوفمبر، حين يأتي تتبدل نبرة الريح، وتصير السماء أقرب، ويغدو الهواء كأن بين ذراته حكاياتٍ تسافر عبر الزمن، شهرٌ يفتح نافذة على الذاكرة، فيمرّ منها طيفُ السنين؛ وجهُ سلطانٍ أحبّته القلوب، ومسيرة وطنٍ مشى بخطواتٍ من حكمة، كمن يمشي على الماء دون أن يغرق، في نوفمبر تشتعل الأضواء في المدن كأنها نجوم هبطت إلى الأرض، وترفرف الرايات كأجنحة طيورٍ تعود إلى أعشاشها بعد غيابٍ طويل، وتتعانق الألوان فوق الجبال والسهول، فتغدو البلاد لوحةً رسمتها يدُ القدر بعنايةٍ لا تخيب.

أما عُمان فهي ليست مجرد أرضٍ تُسكن، إنها قصيدةٌ طويلة تكتبها الجغرافيا حين تُلهمها السماء، هي وطنٌ حُفرت جذوره في ذاكرة الأزمان قبل أن تُحفر في خرائط البشر؛ بلدٌ خرج منه البحّارون كنسورٍ تشقّ المحيطات، تحملها أشرعةٌ كأجنحة الشوق، فتصل إلى شرق إفريقيا والهند، وتعود حاملةً رائحة البحر ولون الشمس، وحكايات الشعوب التي لامسوا شواطئها، كانت عُمان ميناءً للسلام حين كانت الدنيا تمتلئ بالعواصف، وصوتًا للعقل حين كانت الأمم تبحث عن ملاذ، ثم حين انبثق فجر السبعينات، بدا الوطن كوميضٍ خرق العتمة؛ أودية تضيء، قرى تستيقظ من سباتها، مدارس تنبت كالأزهار في الربيع، طرقٌ تمتد فوق الرمال كأنها خيوطُ ضوءٍ ترسم وجه المستقبل، وخلال سنين قليلة، صارت عُمان كالنجمة لا تنافس غيرها في الوهج، بل تتوهّج بما يكفي لتدلّ على نفسها، رسم ملامحها ابنها البار وقائدها الذي وإن رحل لن ينساه التاريخ ولا أبناء هذا الوطن الغالي.

وجاء صباح 11 يناير 2020، فارتدى الوطن صفحةً جديدة من كتابه، حين تسلّم حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ـ أمانة الحكم، تحدث جلالته، فكان صوته كرياحٍ تحمل رائحة البدايات، وكأنه يقول للبلاد “هنا يبدأ غدٌ آخر”، انطلقت مشاريع الإصلاح كتدفق نهرٍ في موسم الفيضان؛ يعيد رسم الضفاف، ويمنح التربة حياةً جديدة، أعيد بناء الجهاز الحكومي، وتنوّعت طرق الاقتصاد كأنها طرق في صحراء تُستعاد إليها الحياة، وجاءت رؤية عُمان 2040 كبوصلةٍ تشبه نجم الشمال، تهدي السائرين، وتفتح للإنسان أبوابًا من الحلم، وتمكّن الشباب كأنهم بذورٌ تُعدُّها الأرضُ لتحمل ثمار المستقبل، ولم تبتعد السلطنة عن إرثها الدبلوماسي؛ ظلّت كالغيم تُمطر في مكان، وتُظلّل آخر، دون ضجيجٍ أو ادعاء، تبني جسورًا من الكلام الهادئ، وتطفئ حرائق العالم بنبرة عقل لا ترتفع، وهكذا حافظت على مكانتها كميزانٍ تُعادِل به المنطقة اضطراباتها.

حين يعود العشرون من نوفمبر يعود معه صدى القرون التي مشت فيها عُمان دون أن تنكسر خطواتها، إنه يوم يعيد فيه الوطن اكتشاف ذاته، كما يعيد البحر اكتشاف موجه كل صباح، يوم يتذكر فيه العُماني أن حب الوطن ليس أغنيةً تُطلق في الهواء، ولكنه شجرة تُسقى بالعمل، وتُحرس بالوفاء، وتُظلّل أبناءها بما تقدمه من عزّة وطمأنينة، وتظلّ عُمان… كالنجم الذي لا يخبو، كالسيف الذي لا يصدأ، كالأرض التي تعرف اسم أبنائها واحدًا واحدًا، وطنًا تُكتب سُطوره في القلوب قبل أن تُكتب في الكتب، ويبقى ضياؤه ممتدًا ما امتدت السماء فوق هذه الأرض الطيبة.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights