مقالات صحفية

نوفمبر المجيد… إشراقة وطن

هلال بن حميد بن سيف المقبالي

كلما أطلّ علينا شهر نوفمبر أزهرت القلوب وابتهجت، وتكتسي عُمان بثوب الفخر والعزة والإباء.
في هذا الشهر يومٌ ينتظره العمانيون عامًا بعد عام؛ يومٌ التصق بالشعب، بل أصبح جزءًا من ذاكرته، يعيدنا إلى فجرٍ صنع تاريخًا جديدًا، يوم نهضت البلاد نهضتها الحديثة على يد رجلٍ أحبها أكثر من نفسه، فقادها من عتمة الركود إلى ضياء النهضة، وحارب المتمردين، وأنهى الخلافات الداخلية، وقضى على المذهبية والقبلية والطائفية، فتصالحت النفوس، وتقاربت الأفكار، ونضجت العقول، فأصبحت عُمان بفضله متوحدة تحت راية واحدة. إنه والدنا السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – الذي بنى دولةً حديثة متماسكة الأركان، وأطلق شرارة التنمية في هذه الأرض الطيبة، لتضيء كل شبرٍ من ربوعها، وكان الثامن عشر من نوفمبر يوم مولده.

وفي هذا اليوم تجدد عُمان وشعبها عهد الفخر والانتماء، وتكتسي البلاد حلّتها الوطنية البهيّة. يومٌ لا يغيب عن ذاكرة من عاشه واحتضن ما فيه وأحسّ بدفئه؛ يومٌ من أيام التاريخ المشرقة، تتلاقى فيه ذاكرة الماضي بعطاء الحاضر، لتروي فيه عُمان قصّتها المتواصلة بين قيادة آمنت بقدرتها، وشعبٍ مضى معها بثقة نحو المستقبل.

نوفمبر ليس مجرد شهرٍ في تاريخ عُمان، بل هو عنوان مجد يتوّج ذاكرة وطن. إنه مرآةٌ تعكسُ رحلة تاريخ عُمان الممتد عبر قرون مضت. ويصادف هذا العام يوم العشرين من نوفمبر خلافًا لما اعتدناه، إذ انتقل الاحتفاء من الثامن عشر إلى العشرين من نوفمبر، فكان الثامن عشر مولد قائد ملهم بنى عُمان الحديثة، أمّا العشرين من نوفمبر فهو أشمل؛ ففيه ميلاد دولةٍ أشرقت بنورها ربوع عُمان، وتحدث عنها التاريخ كثيرًا، دولة قامت على مبادئ وقيم راسخة بقيادة الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي الذي كان واليًا على صحار في دولة اليعاربة.

ويأتي الاحتفاء هذا العام متزامنًا مع مرور 281 عامًا على قيام دولة البوسعيد التي تأسست في العشرين من نوفمبر عام 1744م. ويُعد هذا اليوم محطة مفصلية في التاريخ العُماني؛ ففيه طُرد المحتل، وتوحّدت البلاد، وزال الانقسام، واستقام ميزان العدل، وارتسمت ملامح الدولة العمانية على أسس الحكمة والسيادة والعزة والإباء.

ومن تلك الجذور العميقة للتاريخ العُماني انبثقت رؤيةٌ جديدة تستمد قوتها من تراث هذا الوطن العزيز. فولد الحاضر المشرق الذي نعيشه اليوم في ظل دولة المؤسسات والقانون، دولةٍ تجمع بين الأصالة والتحديث، وبين القيم الإنسانية ومتطلبات الحياة العصرية، وتستشرف آفاقًا رحبة في التعليم والاقتصاد والتقنية ومختلف جوانب التنمية.
نهضة عظمى قامت لعُمان بعد 226 عامًا من قيام دولة آل بوسعيد؛ نهضة حديثة أشرق فجرها عام 1970، هذا الفجر الذي جعل الإنسان محور البناء وهدف التنمية، بقيادة الوالد السلطان الراحل قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – الذي أرسى معالم الدولة العصرية على مدى خمسين عامًا. وتتابعت المسيرة في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – بخطى متسارعة على امتداد السنوات الخمس الماضية، استمرارًا للخمسين عامًا السابقة، لتصبح النهضة وعدًا متجددًا ورسالة متوارثة تجسد معنى المسؤولية والوفاء لعُمان أرضًا وتاريخًا وشعبًا. إنها عُمان الجديدة التي تبني الحاضر بعقلٍ ناضج وإرادةٍ لا تلين، لنحتفل اليوم بمرور خمسةٍ وخمسين عامًا على النهضة الحديثة، و281 عامًا على قيام دولة آل بوسعيد.

إنّ الاحتفال باليوم الوطني ليس مجرد احتفال وطني، بل هو وقفة اعتزاز بما تحقق، وإيمان بأنّ البناء لا يتوقف، ودليل على أن النهضة العُمانية ليست مشروعًا عابرًا، بل هي مسيرة وعيٍ وإرادةٍ وحكمة، تتجدد مع الأجيال، وتستمد قوتها من إيمان الإنسان العُماني بدينه وقيمه وهويته الأصيلة وتاريخه العميق. فالنهضة العُمانية منذ انطلاقتها الأولى ما زالت مشرقة متجددة تنير دروب المستقبل، مؤكدة أن الاستقرار والتنمية وجهان لنهضة عُمان.

ورغم التحولات والتحديات التي يشهدها العالم، ظلت عُمان شامخة بهدوئها، صانعةً لمجدها وتاريخها، محافظةً على قيمها ومبادئها. وتظل الحكومة، بقيادتها ومؤسساتها، موازيةً لهذا الشموخ؛ حكيمةً في مواقفها، راسخةً في مبادئها، تسير بخطى واثقة لا تعرف الضجيج، تعمل بصمت، لأنها تدرك أن البناء الحقيقي لا يُقاس بالكلمات، بل بالأفعال التي تصنع الفارق في حياة الناس.

وتظلُّ عُمان دائمًا كما كانت: واحة السلام والأمان، ويظل شهر نوفمبر نورًا يشرق في قلب التاريخ، خالدًا في ذاكرة الأجيال، ويبقى لدى الشعب العُماني حبُّ الوطن والسلطان أسمى صور الوفاء.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights