غابة الرمال
يعقوب راشد السعدي
قال ابنُ آوى للغراب، وهما يقفان على أطلال دولةٍ أكلتها نار الحرب، ومزّقتها الأطماعُ إربًا حتى غدت نهبًا لمن لا شأن له بها:
يا صاحب الريش الأسود، ما بالُ ملوكِ غابة الرمال يبعثون خفافيشهم إلى أرض النيل؟ تارةً باسم الإصلاح، وأخرى بحجة الإعمار، وثالثةً بزعم الإخلاص، ورابعةً تحت راية السلام!
فأجابه الغراب، وهو ينفض جناحيه من غبار الطريق، ومن دخان الحرائق التي علقت بريشه:
يزعمون أنهم جاءوا بخيرٍ، يحملون الزاد والماء، غير أني رأيتُ قوافلهم تُفرغ حمولتها ليلاً، في عتمةٍ تتوارى خلف سواد الليل، ثم تعود مع الفجر محمّلةً بما لا يُؤكل ولا يُباع! أسرارٌ لا يلمحها إلا بريق عيون الذئاب، وطمعٌ لا يُرى إلا حين يلمع اللعاب بين أنيابها.
ابتسم ابن آوى وقال:
من أراد أن يسقي النيل، فليسقه من قِربه، لا من ملوحة البحر، ومن ابتغى الإصلاح، فليبدأ من بيته، فكم من دارٍ تهدّمت حين شُغل أهلها ببناء بيوت الجيران.
قال الغراب:
لكنهم يؤكدون أن غايتهم الوحيدة هي نشر السلام بين القبيلتين المتنازعتين في أرض النيل.
ابتسم ابن آوى ابتسامةً ساخرة وقال:
السلام الحقيقي لا يُحمل في صناديق مغلقة على ظهور الخفافيش التي لا ترى إلا في ظلمة الليل، ولا يجيء مع من يختبئون بين الصخور والهضاب، ولا يُوزَّع خفيةً مع الذهب والعقود؛ فذلك سلامٌ زائف.
السلام لا يُولد إلا من صفاء النوايا، لا من دفاتر المصالح ولا من الصكوك المؤجلة.
ثم قال ابن آوى مخاطبًا الغراب:
أما بلغك يا غراب أن بعض ملوك الغابة لا يغرسون الأشجار إلا ليقيسوا بظلّها ما جاورهم؟
سكت الغراب طويلاً، وأطرق برأسه متأملاً، ثم قال:
أخشى يا ابن آوى أن تغمر الرمالُ النيلَ حتى يجف ماؤه، وأن تتحول المساعدة إلى شبكةٍ لا ينجو منها إلا الطائر الحر.
فأجابه ابن آوى قائلاً:
كل مملكةٍ من ممالك الغاب، حين تبسط جناحها على غيرها، تظن أنها تبني عشًّا آمنًا، لكنها في الحقيقة تشيّد مأواها من القصب فوق مستنقعٍ غريبٍ يعجّ بالتماسيح، والمستنقع لا يرحم أحدًا إذا جف ماؤه.
ثم رفع بصره نحو الأفق وقال بصوتٍ متأمل:
لقد رأيتُ ملوكًا يفتحون أبواب الجيران باسم الإعمار، فإذا بهم يحتفظون بالمفاتيح في جيوبهم، يجنون الثمار ويكدّسون الثروات والناس نيام، ومن بعيدٍ يصفق البعض إعجابًا، لأنهم لا يرون ما وراء الجدران من خيوطٍ نسجها العنكبوت، تمتد طمعًا واستحواذًا.
سكنت الريح فجأة، وانحنى الغراب وقال:
وماذا تقول يا ابن آوى إن سألك أحدهم عمّن تقصد بحديثك؟
ابتسم ابن آوى وقال:
أنا لا أذكر الأسماء يا غراب، فالريح لا تكتب على الرمل إلا لمن يقرأ بعينين من لهبٍ حارق.
ثم مضيا بين الركام والذكريات، فيما ظلت غابة الرمال تبعث خفافيشها في كل اتجاه، تحمل في جناحٍ زيتًا، وفي الآخر شرارة.
وهكذا تعلّم الناس، حيثما امتدّ ظلّ الغابة، أن ليس كل ضيفٍ كريماً، ولا كل مساعدةٍ بريئة، ولا كل صمتٍ دليلاً على الرضا، فبعض الرمال إذا هبّت على النيل، لا تسقيه، بل تطمره.



