الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

فاكهة النجاح .. حين سخروا من ((البيذام)) ولم يروا الفكرة

  غزلان بنت علي البلوشية

كم من مرة مررنا في الشوارع فرأينا من يحمل بضاعته البسيطة تحت الشمس الحارقة، أو من يقف أمام عربته الصغيرة يبيع قهوته أو تمره أو بضاعته التي صنعها بيديه، بعينٍ متعبة لكنها مملوءة بالأمل؟ كم من مرة شاهدنا مقاطع تنتشر لأناسٍ يسعون في رزقهم بكرامة، ولكنها تُقدَّم على أنها مادة للضحك؟

إنها ظاهرة موجعة تُظهر كيف تغيّرت القيم، وكيف صار الكفاح الشريف في زمننا مادةً للتندر والاستهزاء، بدل أن يكون مصدر إلهام. كانت الشرارة التي دفعتني لكتابة هذا المقال قصة فتاةٍ عُمانية بسيطة، لم تملك رأس مالٍ كبير ولا شهرةً سابقة، لكنها امتلكت شيئًا لا يُشترى: الفكرة.

أحبت صاحبة المشروع فاكهة “البيذام” العُمانية، تلك الثمرة الصغيرة ذات الطعم المميز، وقررت أن تصنع منها مشروعًا مختلفًا. لم تنظر إليها كفاكهةٍ عادية، بل رأت فيها فرصة اقتصادية محلية يمكن تطويرها بطريقة عصرية. بدأت بفكرة متواضعة، تعمل من مطبخها، تعبئ وتسوّق بيديها، ثم بدأت تُظهر نتائج تعبها.

وحين أعلنت عن دخلها الشهري الذي حققته من مشروعها، كان يفترض أن تُقابل بالإعجاب… لكنها فوجئت بالعكس. انهالت عليها التعليقات الساخرة: من يشكك، ومن يسخر، ومن يقلّل من شأنها وكأن النجاح أصبح جرمًا، والطموح بات مدعاةً للسخرية.

لم يسأل أحد كيف استطاعت تحويل ثمرة محلية بسيطة إلى منتجٍ يُباع في الأسواق، أو كيف غيّرت نظرة الناس نحو “البيذام” لتصبح فاكهةً صحية مطلوبة لمرضى السكري ومتبعي الحميات. كل ما رآه الناس هو الرقم الذي أعلنته، لا الجهد الذي بذلته.

لكن تلك الفتاة لم ترد على أحد. اكتفت بالاستمرار. وها هي اليوم تكسب احترام من عرفها عن قرب، لأنها أثبتت أن الفكرة حين تُغذّى بالشغف والعقل، تتحوّل إلى مشروعٍ حقيقيّ لا يوقفه الاستهزاء.

هي لم تكن تبيع فاكهةً فقط، بل كانت تبيع إيمانًا بأن الطريق إلى التميّز يبدأ من فكرة واحدة مؤمنة بذاتها.

وليس بعيدًا عنها، هناك نموذج آخر من الخليج العربي؛ امرأة إماراتية أعادت تعريف التجارة بالتمر، فأبدعت في مشروعٍ بسيط المظهر عظيم الفكرة. لاحظت أن كثيرين من محبّي التمر يبتعدون عنه خوفًا من ارتفاع السكر فيه، فطوّرت منتجًا جديدًا أطلقت عليه “التمر القليل السكر”، ليُلائم مرضى السكري ومتبعي الحميات الغذائية.

لم تكتفِ بالمضمون، بل صمّمت عبوات أنيقة تعبّر عن أسلوب حياةٍ صحي، وروّجت لمنتجها بطريقة جذابة جعلت منه رمزًا للإبداع المحلي. واليوم أصبحت فكرتها علامة تجارية راقية تُعرض في المعارض الصحية داخل الإمارات وخارجها، لتثبت أن الذكاء في الفكرة أهم من حجم المشروع.

هاتان القصتان — العُمانية صاحبة “البيذام” والإماراتية صاحبة “التمر القليل السكر” — تجسّدان جوهر النجاح الحقيقي؛ النجاح الذي يُولد من البساطة، ويكبر بالإصرار، ويتحدّى السخرية بالإنجاز.

الإنسان القادر على تحويل الصعاب إلى فرص هو من يفهم سرّ الحياة الحقيقي. من يرى في الفكرة الصغيرة بذرة نجاح، لا يهاب نظرة الناس، بل يمضي في طريقه بخطواتٍ ثابتة.

لقد رأينا من جمع المخلفات ليصنع منها حياة، ورأينا امرأة حولت بقايا الخشب إلى فنٍّ يُعرض في المعارض، وآخر صنع أدواتٍ من المعادن القديمة ليبهر بها العالم. كلّ هؤلاء لم ينتظروا تصفيق الجمهور، بل صنعوا جمهورهم من خلال عملهم الصادق وإيمانهم بأنّ النجاح لا يولد من التمنّي، بل من القرار.

إن السخرية من الكادحين ليست إلا جهلًا بقيمة الجهد الإنساني. فالعقول الراقية لا تضحك على من يعمل، بل تُقدّر عزيمته. ومن أراد أن يرى التغيير، فليبدأ بنفسه، وليفكر كما فكر أولئك الذين صنعوا من اللاشيء كل شيء.

وأفكار أخرى كثيرة وُلدت من العدم، من لحظة صدقٍ مع النفس، ومن نظرة مختلفة للأشياء التي يراها الآخرون بلا قيمة. امرأة بدأت بصناعة الصابون من بقايا الزيوت، فتحوّلت إلى صاحبة مشروع تجميلي طبيعي يصدّر اليوم خارج بلدها، وشاب جمع الأخشاب المهملة ليصنع منها تحفًا تزيّن المقاهي والمكاتب، وآخر صنع من المخلفات المعدنية أدوات مدهشة تُعرض في المعارض البيئية. جميعهم امتلكوا ما هو أعظم من المال: الإصرار والفكر والإيمان بقدرتهم على تحويل العادي إلى استثنائي.

وفي الختام، ليس النجاح حكرًا على من يملكون المال، بل على من يملكون الفكرة والإصرار على تنفيذها رغم كل الأصوات المثبطة.

تذكّر دائمًا أن من يسخر منك اليوم، قد يحاول تقليدك غدًا، وأن الطريق الذي تسير فيه وحدك اليوم، سيزدحم من بعدك حين تثبت أنه يؤدي إلى النجاح.

احترم كل إنسانٍ يسعى بيده، ولا تقلل من شأن فكرةٍ مهما بدت صغيرة، فكم من فكرة وُلدت في العزلة، ونضجت بالصبر، وأصبحت علامة تُروى للأجيال.

لا تسمح لسخرية الآخرين أن تطفئ حماسك، فالحياة لا تُكافئ الضاحكين، بل العاملين.

ازرع نيتك بصدق، وامضِ بثقة، واعمل بذكاء، فالله وحده يرى الجهد الخفي، ويكافئ صاحبه بطرقٍ لا تخطر على بال. واعلم أن النجاح ليس أن تُرضي الناس، بل أن تُرضي نفسك وأنت تسير نحو ما تؤمن به، فربما تكون فكرتك البسيطة — مثل “البيذام” أو “التمر القليل السكر” — هي الفاكهة القادمة التي تُدهش العالم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights