دي .. جا .. فو

صالح بن ناصر المحروقي
لا،، ليست “حُرُوزاً” ولا طلاسماً، تلك التي قرأتها في العنوان، بل هو اسمٌ لظاهرة علميةٍ اختبرناها جميعاً في فترة من فترات حياتنا، فلابد أنك مررتَ بمكانٍ للمرة الأولى، واجتاحك إحساسٌ غريبٌ بأنك كنت هناك من قبل، أو التقيتَ بشخصٍ، فشعرت بأنك عرفته منذ زمنٍ بعيد، لكن ذاكرتك تعجز عن تحديد الموضع والزمان، ذلك الإحساس الخاطف، والمُفعم بالغموض والدهشة، هو ما يُعرف بظاهرة الديجافو.
الديجافو كلمةٌ فرنسية تعني “شوهد من قبل” ، وقد استخدمها علم النفس لوصف تلك اللحظة التي يشعر فيها الإنسان بأنّ ما يراه الآن قد رآه سابقاً، رغم يقينه بأنّ التجربة جديدةٌ تماماً، وكأنّ الوعي يختلط بالذاكرة في مشهدٍ لا يخضع لمنطق الزمن.
أول من لفت الأنظار إلى هذه الظاهرة كان الفيلسوف الفرنسي إميل بويراك في أواخر القرن التاسع عشر، حين لاحظ أنّ الإنسان يعيشُ أحياناً لحظاتٍ مألوفةً لا يجد لها تفسيراً منطقياً، ومنذ ذلك الوقت تحوّل الديجافو إلى موضوعٍ للدراسة في علم الأعصاب وعلم النفس، بوصفه أحد أكثر ألغاز الوعي البشري غموضاً.
الذين مرّوا بتجربة الديجافو يصفونها بأنها لحظة قصيرة، لكنها مشحونةٌ بالإحساس، كما لو أنّ الزمن يلتفّ حول نفسه، وكأنّ الحاضر ينسخ الماضي في لحظةٍ واحدة، دون أن يكون هناك ماضٍ في الحقيقة، هي لحظةٌ فريدةٌ تجمعُ بين الدهشة والخوف.
وقد فسّر بعض العلماء هذه الظاهرة، بأنها نتيجة اضطرابٍ مؤقت في الفصّ الصدغي للدماغ، وهو الجزء المسؤول عن معالجة الذاكرة، والتعرف على الأماكن والوجوه، حيث يحدث تداخلٌ بسيط بين مسارين من مسارات الذاكرة، فيخدع الدماغ صاحبه بأنّ المشهد مألوف، وقد دعمت هذا التفسير دراسات أجرتها العالمة الأمريكية آن كليري، التي لاحظت أنّ الشعور بالمألوفية قد ينشأ دون أن تكون هناك ذاكرة حقيقية وراءه.
أما ما يُعرف بنظرية “المعالجة المزدوجة” فتفترض أنّ الدماغ يعالج الصورة أو الموقف مرتين في زمنٍ متقارب جداً، فتبدو المرة الثانية وكأنها تكرار لتجربةٍ سابقة، أي أنّ الخلل لا يكون في الذاكرة ذاتها، بل في تسلسل وصول الإشارات العصبية بين الإدراك والوعي.
ويربط باحثون آخرون بين الديجافو، وما يسمى” الذاكرة الزائفة” ، وهي ظاهرةٌ يخلقُ فيها الدماغ ذكرى لتجربةٍ لم تحدث أصلاً، إذ تتشابه المثيرات أو الصور فتُستدعى من الأرشيف العقلي كما لو كانت حدثت فعلاً، وقد تناولت العالمة إليزابيث لوفتوس هذا الجانب في دراساتها حول تكوين الذاكرة، وكيف يمكن للعقل أن يخترع ماضياً وهمياً.
وفي تجارب حديثة استخدم فيها العلماء تقنيات الواقع الافتراضي، تبيَّنَ أنّ تكرار البنية المكانية للمكان، مثل ترتيب الممرات أو النوافذ، يولًّدُ لدى الأشخاص شعوراً بالمألوفية، حتى وإن كانوا يدركون أنهم يرون المكان للمرة الأولى، مما يُشير إلى أنّ الديجافو قد يكون استجابة طبيعية للأنماط المتشابهة في البيئة المحيطة.
ويرى بعض الأطباء أنّ هذه الظاهرة تزداد لدى الشباب أكثر من كبار السن، وأنّها ترتبطُ أحياناً بالتعب أو قلة النوم أو الضغوط النفسية، فحين يُرهق العقل تتداخلُ عليه الطبقات الزمنية للخبرة، فيعيدُ تركيبها بطريقةٍ توهمُ صاحبها بأنه يعيش تكراراً لشيءٍ ما.
ومع ذلك، فإنّ التفسيرات العلمية ليست هي الوحيدة، فهناك من يرى الديجافو من منظورٍ فلسفي أو روحاني، فيعتبرهُ تذكّراً من حياةٍ سابقة، أو انعكاساً لعالمٍ آخر يلامس وعينا في لحظةٍ خاطفة، ورغم أنّ هذه التصورات لا تجد سنداً في البحث العلمي، فإنها تعبّرُ عن حاجة الإنسان الدائمة لتفسير ما يعجز العقل عن تأويله.
وقد استلهم الأدباء والسينمائيون هذه الظاهرة في أعمالهم، فجعلوها رمزاً للزمن الدائري، أو دليلاً على هشاشة الواقع، كما في فيلم “ديجا فو” الذي تناول فكرة تكرار الأحداث وإعادة تشكيلها في سياقٍ بوليسي، أو في فيلم “المصفوفة” الذي جعل من تكرار المشهد دليلاً على خللٍ في الواقع ذاته، وهما مثالان يبرزان كيف تحوّل هذا المفهوم العلمي إلى أداةٍ درامية لفهم الزمن والإدراك.
وفي نهاية المطاف، تبقى ظاهرة الديجافو نافذةً صغيرة، تُطلّ منها النفس على أعماق الوعي المجهولة، حيث تتشابك الأزمنة، ويختلط الإدراك بالذاكرة، ويصبح الحدّ بين الحقيقة والوهم واهياً جداً، إنّها تذكيرٌ بأنّ عقولنا أعقدُ مما نتصوّر، وأنّ في داخلنا مناطق ما تزال مغلقة أمام العلم، توقظُ فينا الدهشة، وتعيدُ إلينا إحساسنا بالعجز الجميل أمام أسرار النفس والكون.



