ماذا خسر العالم حين خسر الموسوعيين؟

صالح بن ناصر المحروقي
حين غاب الموسوعيون عن المشهد البشري، فقد العالم القدرة على رؤية الصورة الكاملة، لأننا خسرنا العقول التي كانت تجمع بين جزئيات العلوم في فهمٍ كليٍّ متّسق، ومع اتساع دائرة المعارف وتزايد التخصصات، ضاق الأفق واتسعت الفواصل بين العلوم، حتى صار الإنسان المعاصر يعرف أكثر، لكنه يفهم أقل!
كانت الموسوعية، في جوهرها، أسلوباً في النظر إلى الوجود، ورؤيةً تُدرك الترابط بين الظواهر، وتُعامل العلم والأخلاق والفلسفة كأبعادٍ متكاملة في فهم الإنسان والعالم، أما التخصص فقد حصر العقل في نطاقٍ ضيق، وأغراه بإتقان الجزء على حساب فهم الكل، وبذلك تحوّل العلم من وسيلة لإدراك الحقائق، إلى أداة محدودة الرؤية.
ولو عدنا إلى العصور السابقة، لوجدنا العالِم يومها صاحب عقلية فكرية شاملة، يقرأُ في الطب والفلك والفلسفة، كما يقرأُ في المنطق واللغة وعلوم الشريعة، فلم تكن للمعرفة في عقولهم حدودٌ تفصلها، ولهذا ازدهرت الحضارات الكبرى يوم قادها هؤلاء الموسوعيون، الذين امتلكوا القدرة على الربط بين الفكرة والتجربة، وبين النظرية والعمل.
لقد جسّد ابن سينا والرازي وابن الهيثم والفارابي وجابر بن حيان في الإسلام، ودافنشي ونيوتن في الغرب، نموذج العقلية الموسوعية، فقد كان هؤلاء يرون أنّ الفهم لا يتحقق إلا عندما يلتقي العقل بالملاحظة، والفلسفة بالخبرة، ولم تكن المعرفة لديهم أرقاماً أو معادلات فحسب، بل وسيلة لفهم الإنسان ومكانه في الوجود.
تلك النظرة الكلية للمعارف هي التي أنتجت الثورات العلمية الأولى، لأنها أدركت أنّ الحقيقة لا تُرى من زاوية واحدة، بل من تداخل زوايا متعددة، فكل علم يُقدّم جانباً من الصورة، ثم يأتي العقل الموسوعي ليجمع هذه الأجزاء في رؤية واحدة شاملة، ويمنحها معناها الكامل.
غير أن مسار الفكر الإنساني تبدّل مع الثورة الصناعية، إذ تحوّلت المعرفة إلى فروع متخصصة منفصلة، وأخذت الجامعات تُدرّس العلم في أقسام مغلقة، لكل قسم لغته ومصطلحاته، وتحوّل الباحث إلى موظفٍ في حقلٍ ضيقٍ من حقول المعرفة، ومع مرور الوقت، فقدت العلوم تواصلها الطبيعي، وأصبح التخصص علامة على الدقة، وإن جاء على حساب النضج والفهم الشامل.
ولأنّ المعرفة الإنسانية تضاعفت على نحو هائل، بدا التخصص أمراً لا مفر منه، فصار الطبيب ينحصر في مجالٍ دقيق من فروع الطب، والمهندس يركّز على حقلٍ محدد في مهنته، والعالِم يكرّس حياته لنظرية واحدة، لكن هذا التبرير لم يُلغِ الإشكال الجوهري؛ إذ بينما أنقذ التخصص الدقة العلمية، فإنه أضعف الرؤية الكلية، فغدت المعارف أشبه بجزرٍ متباعدة، بلا جسرٍ يربط بينها.
وقد نبّه المفكر الإيراني علي شريعتي في كتابه “النباهة والاستحمار” إلى هذا الخطر حين قال أنّ الإنسان حين يُحصر في زاوية ضيقة من العلم، فإنه يفقد وعيه بما يجري حوله، ويغدو أداةً في يد من يوجّهه، عاملاً بإتقانٍ في جزئية صغيرة دون أن يدرك غاية المجموع.
وفي الاتجاه ذاته، حذّر ألكسيس كاريل في كتابه “الإنسان ذلك المجهول” من تجزئة فهم الإنسان، إذ رأى أنّ العلوم الحديثة فرّقت الجسد والعقل إلى تخصصاتٍ صغيرة، حتى غاب عن الأطباء إدراكُ وحدة الكائن الحيّ، وصار كلٌّ منهم يرى جزءاً ويغفل الكلّ، ورغم أن ما قاله كان في سياقٍ طبيٍّ محض، إلاّ أنّه ينطبقُ على الفكر الإنساني كلِّه.
من هنا نفهم كيف يمكنُ أن يحمل المرء أعلى الشهادات الأكاديمية، ومع ذلك يفتقرُ إلى القدرة على التفكير المركّب، أو الحكم السليم، فالمعرفة المتخصصة لا تُنتج بالضرورة عقلاً حكيماً، لأنّ الحكمة وليدةُ التجربة المتنوعة، والاطلاع الواسع، ولا تتأتى من مجرد التعمق في فرعٍ واحد.
وقد أدرك ابن خلدون هذه الحقيقة حين أشار في مقدمته إلى أنّ العلماء الذين ينغمسون في التفاصيل الدقيقة، كأهل الفقه مثلاً، يفشلون غالباً في السياسة والتدبير، لأنهم يعتادون النظر في الجزئيات ويغفلون الكليات، فالسياسة تحتاجُ إلى عقلٍ يدرك المجموع، وليس إلى ذهنٍ يضيع في الفروع.
ويمكن أن نضرب مثلاً على تجسيد العقلية الموسوعية بشخصية السلطان سليمان القانوني، الذي جمع بين الفقه والسياسة والفن، والذي كان شاعراً وخطاطاً إلى جانب كونه قائداً عسكرياً، فقد كوّنت معارفه المتعددة حسّاً متوازناً، وأفادته تعدد مصادر المعرفة، فمنحته القدرة على الفهم الكلي، واتخاذ القرارات السليمة.
إنّ مجتمعات اليوم أشدُّ ما تكون حاجةً إلى العقول الموسوعية في مواقع صنع القرار والتخطيط الاستراتيجي، فهي الأقدر على الجمع بين الخبرة الفنية والرؤية الإنسانية، أما المتخصصون الدقيقون، فمكانهم الطبيعي في الجامعات، ومراكز البحث العلمي والتقني، فلكلٍّ منهم وظيفته التي تناسبه، ولا تقوم النهضة إلا بتكامل النوعين معاً، فالمتخصص دوره في صنع الأدوات، والموسوعي في وضع الأهداف وتوجيه الغايات.
وفي عالمنا الراهن، الذي تختصر فيه التقنيات والذكاء الاصطناعي المسافات بين العلوم، تبدو فرصة استعادة الروح الموسوعية أقرب من أي وقتٍ مضى، إذ لم يعد تحصيل المعارف بحاجة إلى أسفار طويلة، بل إلى عقلٍ منفتحٍ قادرٍ على الربط والمقارنة والتأمل في العلاقات الكلية.
وخلاصةُ القول، أنّ العالَم خسر الكثير حين خسر الموسوعيين، فقد كانوا ميزاناً للتوازن بين العلم والحياة، وبين الفكر والعمل، وبين الاختصاص والوعي، ولن ينهض الفكر الإنساني من جديد ما لم يستعد تلك القدرة على النظرة الشاملة التي تجمع بين العلم والحكمة، وبين الدقة والاتساع، وبين الإنسان والمعرفة في وحدةٍ لا تنفصم.



