رواية نادية ( الجزء 12 و 13)

فايل المطاعني
المشهد الثاني عشر : أم تُنكر، أم تعترف؟
كان المساء ثقيلاً على منزل العائلة. الصمت كأنه جدار، والسكون يطبق على كل شيء.
في إحدى الزوايا، جلست أم نادية على سجادة قديمة، وبين يديها مصحف مفتوح، لكن عينيها كانتا زائغتين لا تقرآن.
طرقات على الباب.
دخل أحمد بهدوء، يحمل فنجان قهوة، وضعه أمامها.
قال بنبرة حنونة:
– ماما… ما زلتي صاحية؟
لم ترد، لكن يدها ارتجفت قليلًا وهي تغلق المصحف.
جلس إلى جانبها، ثم بعد صمت:
– الشرطة زاروني اليوم… يقولون إن نادية… أو “نجاة” بالأصح… تذكرت كل شيء.
تشنّج وجه الأم، ولكنها تماسكت.
– ماذا تقصد؟
– تقصدين ماذا أقصد يا أمي؟ أقصد الحقيقة… اللي يبدو إنها ما دفنت تمامًا.
أخفضت الأم رأسها، وقالت بصوت خافت:
– في أشياء، يا أحمد… الأم ما تقولها، حتى لأولادها.
رفع حاجبيه:
– حتى لو فيها ظلم لواحدة من بناتك؟
ارتجف كتفها.
ثم همست:
– لا تتهمني… أنا ما كنت أعرف إن فؤاد قادر على القسوة بهذا الشكل… لكن بعد الحادثة، جاءني أحمد (تقصده)… وقال لي: “نادية تدهورت حالتها… ونجاة ماتت بحادث”.
قال بنبرة مشككة:
– وصدقته؟
– كنت أريد أن أصدقه… كنت مرعوبة من الحقيقة.
ثم انفجرت باكية:
– كنت أسمع نادية تصرخ وهي نائمة… تصرخ باسم “نجاة”!
كنت أدخل غرفتها، وأقول لها “انسي”، وهي تبكي وتقول “أنا مش نادية”!
– ولماذا لم تصرحي بذلك لأحد؟
– لأني كنت جبانة… وخائفة من أن ينكشف كل شيء… خائفة على سُمعة العائلة، وخائفة منك، ومن فؤاد، ومن الناس!
سكت أحمد، وقلبه يتقلّب في صدره.
قال بصوت خافت:
– الحقيقة كانت في بيتنا، تصرخ… وإحنا كنا نغلق الأبواب.
نظرت إليه الأم برجاء:
– الآن… ماذا سيفعلون بها؟ بنادية؟ بابنتي؟
قال وهو ينهض:
– إذا عدل الله تأخّر… فهو لا ينسى.
ثم خرج، وترك الأم وحدها… تغرق في صمت أثقل من ذنب.
يتبع…
المشهد الثالث عشر : الرسالة
(المكان: غرفة نادية في المستشفى – بعد منتصف الليل)
هدأت الأضواء، وساد الهدوء، سوى خرير أجهزة المراقبة الطبية.
الليل يتسلل عبر النافذة كظلٍ طويل، ونادية تمسك ورقة وقلماً بيد مرتجفة.
جلست على طرف السرير، وأمامها طاولة خشبية صغيرة.
بدأت تكتب.
إلى مَن يهمه الأمر…
أنا لست مجنونة .. أنا لست نادية..
أنا تلك التي ظنوا أن صوتها سيُدفن، وأن التراب سيغلق فمها للأبد.
أنا “نجاة”… البنت التي كانت تغني لأمها في المطبخ، وتضحك مع أختها في المساء، وتخاف من الظلام.
ذلك الظلام… الذي انقضّ عليّ يوم دخلتُ غرفة فؤاد.
رأيت شيئًا لم يكن يجب أن أراه. شيئًا جعل “الزوج” يتحوّل إلى وحش، وجعل أختي تختفي داخلي.
لم أمت… لكنهم قتلوا اسمي، وقتلوا وجهي.
قالوا لي: “أنتِ نادية”، ولبّستوني ثيابها، ودفنوا رأسي بالدواء.
لكن الذاكرة مثل النار… تحترق ببطء، ثم تنفجر.
الآن… أتذكّر كل شيء.
صرختي في القبو… الدم الذي سال… عيون فؤاد حين أغلق الباب، وأحمد حين خبّأ الحقيقة… وأمي حين اختارت الصمت.
لم أكن أريد الانتقام… كنت فقط أريد أن يسمعني أحد.
والآن، إن لم تصل رسالتي… إن لم تصدّقوني… فتذكروا: الجنون ليس في من يتكلم… بل في من يختار أن يصمت.
نجاة..
وضعت القلم، وطيّت الورقة ببطء، ووضعتها تحت الوسادة.
في الخارج، كان الحارس يتمطّى على كرسيه، لا يعلم أن سطورًا قليلة كتبت للتو… قد تغير مجرى القضية.
يتبع…
