“شمة الجهورية”.. وجع يتكرر

علياء بنت سعيد العامرية
منذ أعوام كتبت مقالاً بعنوان “من الضحية التالية؟” تحدثت فيه عن الطفلة “غلا الكيومية” التي نُسيت في الحافلة، وكتبت يومها بحرقة عن مأساة تُتكرر بين حينٍ وآخر. ظننتُ بأن الصدمة ستكون كافية لتوقظ الضمائر، وأن الحزن سينجب وعياً ومسؤولية، لكننا كأننا لم نتعلم شيئاً بعد.
وها نحن اليوم نقف أمام مأساة جديدة، بطلتها طفلة صغيرة تُدعى “شمة الجهورية”، في الصف الأول، بدأت صباحها مثل أي طفلة حالمة. حملت حقيبة ظهرها وحقيبة أحلامها الصغيرة، ارتدت ابتسامتها وودعت أمها بقبلة، لم تعلم أنها قبلة الوداع الأخير.
صعدت الحافلة بحماس الطفولة، وجلست في مقعدها، ربما كانت تنظر من النافذة تحلم بيومٍ مليء بالضحك والدروس، ولم تكن تعلم أن اليوم سيحمل لها الغياب الأبدي. توقفت الحافلة، نزل الأطفال واحداً تلو الآخر، أُغلِق الباب، وساد الصمت… ونامت “شمة” في غير فراشها.
يتكرر المشهد ذاته كل عام، بنفس التفاصيل المؤلمة، ونفس التساؤلات التي لا تجد من يجيبها:
ماذا لو تفقد السائق الحافلة بعد نزول الأطفال؟
ماذا لو كانت هناك مشرفة تراجع الأسماء وتتحقق من عودة الجميع؟
ماذا لو استُخدمت وسائل بسيطة كقائمة حضور تُراجع كل صباح؟
ماذا لو شعر كل من يعمل في هذا المجال أن الطفل أمانة، لا مجرد راكب في حافلة؟
لسنا بحاجة إلى شعارات أو بيانات؛ بل إلى يقظة ضمير، إلى مسؤول يعرف أن الحياة لا تحتمل التهاون، وأَن الغياب في لحظة نسيان قد يكون أبدياً.
كل عام نحزن ونكتب ونغضب، ثم تهدأ الأصوات حتى نفقد اسماً جديداً.
لكن هناك أمّاً لن تهدأ، ستعيش ما تبقى من عمرها وهي تبحث بعينيها عن طفلتها بين المقاعد الفارغة، بين ألعابها وثيابها التي مازالت معلقة على المشجب، بين دفاترها وكراسة رسمها.
وهناك أبٌ سيحمل وجعه بصمت، يغرق في تفاصيل البيت التي كانت تملؤها ضحكات صغيرته.
وهناك سائقٌ سيبقى أسيراً لندمه، يرى وجه الطفلة في كل طريقٍ يسلكه، وفي كل بابٍ يُغلق خلفه.
إنها ليست مجرد حادثة تُضاف إلى سجل الأخطاء، بل فاجعة إنسانية تهزّ كل قلب ما زال فيه حسّ.
طفلة خرجت لتتعلم الحروف الأولى، فعادت حكاية تُكتب بالدموع.
لعلّ رحيل شمة يُعيد الوعي لمن نسي، ويوقظ القلوب قبل أن تُغلق أبواب أخرى على أرواحٍ صغيرة.
ولعلنا نتذكر جميعاً أن كل طفل يُنسى في حافلة المدرسة، هو وصمة في ضميرنا جميعاً.


