الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

حين يصرخ الألم في وجه الوعي

د. طالب بن خليفة الهطالي

ليس الألم نقيض الحياة كما يظنّ الناس، بل هو وجهها الخفيّ الذي يكشف عن عمقها؛ فحين يتكلّم الألم فإنّه لا يصرخ من وجع عابر، بل من إدراك بأنّ الوعي البشري أصابه العمى؛ إذ يرى الظلم ولا يتحرّك ويشهد القهر ولا يحتج ويسمع أنين المظلومين ولا يمدّ لهم يدا، هنا يتكلّم الألم في وجه وعي خذل العدالة ونام عن الأمانة وتواطأ مع الخوف وتزين بالصمت وهو يرى الحقيقة تدفن في وضح النهار، تلك اللحظة لا يعود الألم تجربة فردية حسب، بل يتحول إلى صوت كوني ناطق باسم المقهورين جميعا وشاهداً على عجز الإنسان عن الوفاء لجوهر إنسانيته.
العدالة ليست قانونا يسن ولا شعارا يرفع، بل هي روح الوجود التي بها تنتظم الحياة وتستقيم الموازين، فمن دونها يختل الكون في معناه قبل نظامه، وتضيع القيم قبل الحقوق، ولقد كانت العدالة في جوهرها أمانة حملها الإنسان يوم عرضت على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها فقبلها وهو لا يعلم أن خيانتها تعني خيانة معنى الوجود ذاته قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58). هنا يتجلّى الارتباط الجوهري بين العدالة والأمانة؛ فهما جناحا الوعي الإنساني إذا سقط أحدهما اختلّ التوازن، وإذا غابا معا فسد الضمير وتحولت السلطة إلى سيف بلا ضمير والمعرفة إلى أداة للتبرير لا للتحرير.
إنّ المجتمعات لا تنهار فجأة حين يكسر قانون أو ترتكب جريمة، بل حين يتساهل الناس في خيانة الأمانة، ويبرّرون الظلم بحجّة المصلحة، ويزيّنون الباطل باسم الضرورة ولذا قال ابن تيمية في السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية “إنّ الله يُقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يُقيم الظالمة وإن كانت مؤمنة، لأنّ العدل في جوهره ليس زينةً تضاف إلى الحكم، بل هو الشرط الذي يبقيه قائما، فحين تتخلّى الإنسان عن العدالة، لا يسقط علمه ومفاهيمه فحسب بل تسقط إنسانيته، وحين تُختزل الأمانة في الورق والأختام، ويُنسى أن جوهرها في النية والضمير، عندها يتحول الناس إلى هياكل بلا روح، وإلى موظفين في آلة كبرى لا تعرف سوى التنفيذ ولو كان في ذلك ظلمٌ بيّن”.
إن العدالة ليست مساواةً عددية بل اتساقٌ أخلاقيٌّ بين الحقّ والرحمة. فالعدل الذي يخلو من الرحمة يتحوّل إلى قسوة مقنّعة، والرحمة التي تخلو من العدل تصبح ضعفا يفتح الباب للفوضى، وهنا تتجلّى حكمة الشريعة حين قرنت بين الحكم بالعدل وأداء الأمانة، لأن الأولى تضبط علاقة الإنسان بالآخر، والثانية تضبط علاقته بنفسه، فمن حكم بلا أمانة خان العدل وهو لا يشعر، ومن حمل الأمانة ولم يعدل خانها مرتين، وهكذا يصبح الألم شاهدا على انهيار هذا الميزان؛ لأن الوجع الجمعيّ لا يولد من الحرمان الماديّ بقدر ماهو شعور الناس بأنّ العدالة لم تعد موجودة، وأن الأمانة غدت من الموروثات القديمة التي تذكر ولا تمارس.
وفي لحظة كهذه حين يغيب الإنصاف وتستباح القيم؛ يتكلم الألم في وجه الوعي ليقول له لقد انحرفت عن مسارك، وصرت تجامل الباطل باسم العقل، هنا لا يكون الوجع مجرد إحساس، بل صوت الحقيقة المقهورة التي تبحث عمن يعيدها إلى الحياة، ذلك أن العدالة والأمانة ليستا مجرد فضيلتين فرديتين، بل هما بنية الوعي الأخلاقي التي تبقي الإنسان إنسانا؛ فإذا تهاوتا لم يبق في الأرض ما يقيّد الشر أو يرد الظلم أو يحمي الضعيف.
ليس أقسى على الإنسان من أن يعيش في زمن يموت فيه الضمير وتقتل فيه الحقيقة، لأن موت الضمير لا يرى بالعين بل يحسّ في انطفاء القيم وغياب الخشية، وفي تحوّل الكلمة من عهد إلى سلاح يطعن به الصادقون، حيث يصمت الضمير ولا يعود للكلمة وزن ولا للفكر نور، ويصبح الوعي ذاته شريكا في الجريمة بصمته المبرر باسم الحذر أو المصلحة أو الحكمة؛ هنا يتكلم الألم لا من فم ولا من جرح وعمقٍ روحي مكلوم يرى القبح يتزين بثياب الفضيلة، ويشهد الكذب يتلى على أنه وعي، والنفاق يساق على أنه دهاء، إن هذا الألم ليس ضعفا ولا شكوى، بل هو الألم الأخلاقي الأعلى الذي يصيب الأرواح حين تنكسر أمام زيف القيم، فلا تجد في الناس من يصدقها أو يحتمل صدقها.
حين تقتل الحقيقة، لا يسفك دمها مرة واحدة، بل تطعن في كل مرة يصمت فيها العارف، ويخون فيها المثقف قلمه، ويستبدل فيها صاحب السلطة العدل بالهوى، في تلك اللحظات يتراجع الإنسان خطوة بعد أخرى من مرتبة الخلافة إلى درك الأنانية، ويبرّر سقوطه بالواقعية والعقلانية والظروف. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ (آل عمران: 78). إنها الآية التي تُعرّي الذين يزيّفون الحقائق بلسان الدين أو باسم المصلحة، فيمزجون الزيف بالقداسة، فيموت الوعي الحقّ، ويُولد وعي زائف يقيس الأمور بمكاسبه لا بموازين القيم. وقد وصف علي عزت بيغوفيتش هذا التحلل حين قال في الإسلام بين الشرق والغرب “الضمير هو آخر ما يربط الإنسان بالسماء، فإذا مات سقطت إنسانيته” ومن هنا فإنّ موت الضمير لا يعني غياب الأخلاق فحسب، بل انفصال الإنسان عن مرجعيته الوجودية، أي عن الله ذاته.
لقد نبّه الغزالي في إحياء علوم الدين إلى أن “الظلم ليس مجرد سلب حقّ، بل هو ميلُ النفس عن ميزان الحقّ، فيفسد القلب وإن بدا صالحا”. وهنا تتجلى الصورة الكبرى حين يفسد القلب فيفسد معه الفكر، وحين يفسد الفكر تفسد معه العدالة، ويصبح الألم وحده هو الشاهد الباقي على حياة تفرغت من معناها، إن الألم في مثل هذا العالم لا يشتكي بل يحتج، ولا يئنّ بل يذكر إنه الصرخة التي تواجه وعيا كاذبا يتحدث عن الأخلاق ولا يمارسها، ويتغنّى بالعدالة وهو يُمارس الظلم، هنا يبلغ العالم هذه الدرجة من التناقض فيصبح الألم هو الضمير البديل، هو صوت الوعي حين يسقط الوعي والبرهان على أن في الإنسان بقايا نور لم تطفأ بعد.
وهكذا فإنّ موت الضمير ليس نهاية الأخلاق فحسب، بل بداية الانهيار الإنساني الشامل، إذ تمحى الفوارق بين الصواب والخطأ، وتسوّى الأرض بالهاوية، عندها فقط يتكلم الألم في وجه الوعي، لا ليذكّره بذنبه فحسب، بل ليقول ل لقد تخلّيت عن دورك، وصرتَ تُسوّغ القبح بحجج العقل، فهنيئا لك وعيك الذي بلا روح.
ليست المواجع نقيض الحياة، بل ذاكرتها الطويلة ووقودها الصامت؛ فهي التي تحفظ للروح توازنها وللضمير حساسيته قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ (محمد: 31). فالمواجع ليست عقوبة، بل ابتلاء يختبر جوهر الإنسان، يكشف صدق إيمانه ويطهّر قلبه من شوائب الغفلة، فالرضا هنا ليس خنوعا، بل وعي عميق بأن وراء الألم حكمة تُنضج التجربة وتعيد ترتيب البصيرة.
من رحم هذه المواجع يتولّد الوعي؛ فالألم ليس عثرة في طريق الوجود بل المعلّم الصامت الذي يوقظ العقول النائمة. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 6)، أي أن العسر لا ينفصل عن اليسر، بل يجاوره في حكمة إلهية تجعل من الألم طريقا إلى البصيرة. ويلتقي الفكر الإسلامي مع الرؤية الإنسانية الحديثة؛ إذ يرى فيكتور فرانكل في كتابه، Man’s Search for Meaning ، أن الإنسان لا يُشفى من ألمه إلا إذا منح معاناته معنى، لأن المعاناة الخالية من الغاية تهلك الروح، بينما الألم المفعم بالمعنى يُحرّرها.
حين يتكلم الألم لا يبوح بالشكوى بل يشهد على اختلال الموازين في عالم غابت فيه العدالة وتاهت الأمانة ومات الضمير، إنه صوت الحقيقة حين تصمت الأصوات، ودليل أن في الإنسان بقايا من نور ترفض أن تنطفئ. فالألم ليس خصمًا للوعي، بل مرآته التي تعكس صدق الإنسان مع نفسه ومع خالقه قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: 42)
إن الألم طريق النضج الروحي والفكري هو الذي يُطهّر القلب من الزيف، ويُعيد ترتيب الوعي على موازين العدل والرحمة، ومن يصغي إلى وجعه لا يضيع بل يتعلّم أن كل جرح يحمل درسا، وأن كل محنة تُخفي معنى؛ وحين يبلغ الإنسان هذه الدرجة من الفهم يغدو الألم شاهدا لا عدوّا، وصوتا يُذكّره بأن الله ما يزال يخاطبه من خلال التجربة.
إنّ الأمم لا تُقاس بقوتها المادية، بل بقدرتها على الإصغاء لأوجاعها وتحويلها إلى وعيٍ وإصلاح. فحين يتكلّم الألم في وجه الوعي، فإنه لا يُدين الإنسان بقدر ما يُعيد إليه قدرته على الإصغاء لصوت الله في داخله، حين يكلمه عبر التجربة لا عبر النعمة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights