الإثنين: 16 مارس 2026م - العدد رقم 2856
مقالات صحفية

الموهبة بين الفطرة والفرصة

قراءة في نظرية تاننبوم النفسية الاجتماعية

د.إنعام المقيمية ـ مستشارة نفسية في رعاية الموهوبين

تعدّ الموهبة من الظواهر الإنسانية التي شغلت اهتمام العلماء والمربين منذ عقود طويلة، لما لها من أثر مباشر في نهضة الأمم وتطور المجتمعات. ومن أبرز من تناول هذه القضية بعمق العالم آرثر تاننبوم، الذي قدّم نظرية نفسية اجتماعية متكاملة فسّر من خلالها كيف تتكوّن الموهبة وتبرز لدى الأفراد. فقد رأى تاننبوم أن الموهبة ليست مجرد ذكاء مرتفع أو قدرة عقلية خارقة، بل هي نتيجة تفاعل معقّد بين مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية التي تتكامل لتنتج شخصية قادرة على الإبداع والإنجاز.

يؤكد تاننبوم أن ظهور الموهبة يعتمد على خمسة عناصر أساسية، أولها القدرة العامة، وهي مستوى الذكاء العام الذي يمكّن الفرد من الفهم والتحليل وحل المشكلات. أما العنصر الثاني فهو القدرة الخاصة، وهي الموهبة التي يتميز بها الشخص في مجال محدد كالموسيقى أو الرياضيات أو اللغة. ويضيف أن العوامل غير العقلية تمثل الجانب الثالث، وتشمل الدافعية والطموح والمثابرة والثقة بالنفس، وهي سمات تجعل الموهبة تستمر ولا تنطفئ. أما العنصر الرابع فهو العوامل البيئية، ويقصد بها كل ما يحيط بالفرد من أسرة ومدرسة ومجتمع، إذ تلعب البيئة دورًا حاسمًا في تشجيع الموهبة أو إحباطها. والعنصر الخامس هو عامل الصدفة أو الحظ، وهو ما قد يمنح الفرد فرصة غير متوقعة لتطوير قدراته أو عرضها في الوقت المناسب.

ويرى تاننبوم أن أي عامل من هذه العوامل الخمسة لا يستطيع وحده أن يصنع شخصًا موهوبًا، بل إن الموهبة الحقيقية هي حصيلة التفاعل بين هذه العناصر مجتمعة. فالذكاء بدون دافعية قد يظل كامناً، والقدرة الخاصة بدون بيئة داعمة قد تذبل، والفرصة بدون استعداد نفسي ومعرفي قد تضيع بلا أثر. ولذلك ركّز تاننبوم على أهمية البيئة الحاضنة التي تراعي الجانب النفسي والاجتماعي للطفل، وتمنحه مساحة للتجريب والتعبير والاختلاف، لأن الموهبة لا تزدهر في بيئة تقمع الحرية أو تستهين بالفروق الفردية.

وتُعدّ هذه النظرية من أكثر النظريات شمولًا في تفسير ظاهرة التفوق العقلي، لأنها لم تقتصر على الجانب الوراثي أو المعرفي، بل جمعت بين الفطرة والظروف، وبين الموروث والبيئة. فهي تدعو إلى فهم الموهبة بوصفها عملية ديناميكية تتأثر بعلاقات الفرد بمن حوله، وتؤكد أن لكل طفل فرصة ليكون مميزًا إذا وُفّرت له الرعاية المناسبة. ومن هذا المنطلق، فإن مسؤولية اكتشاف الموهوبين وتنمية قدراتهم لا تقع على المدرسة وحدها، بل هي مسؤولية الأسرة والمجتمع والمؤسسات التعليمية مجتمعة. فحين تتكامل هذه الأطراف في بيئة مشجعة، يمكن للقدرات الكامنة أن تتحول إلى إبداع حقيقي يثري الحياة الإنسانية.

وبهذا المنظور، تصبح الموهبة رسالة إنسانية تتجاوز حدود الفرد لتصل إلى خدمة المجتمع بأسره. فالاهتمام بالموهوبين ليس ترفًا تربويًا، بل استثمار في المستقبل، لأن كل موهوب يجد من يحتضنه ويؤمن به، يمكن أن يصبح مصدر إشعاع فكري أو علمي أو فني يترك أثره في العالم من حوله.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights