خطة ترامب.. “غزة” بين الأمل والمصير
هلال بن حميد بن سيف المقبالي
بعد أيام قليلة تدخل معركة طوفان الأقصى عامها الثالث، وسط خذلان سافر من الجميع بلا استثناء سواء كانت حكومات دول، أو منظمات وهيئات دولية، والكل ينظر إلى “غزة” بلا استحياء؛ لترى دمارًا، وركامًا، ودموعًا لأناسا يبحثون عن أي شعاع أمل وسط القصف الصهيوني والتجويع وحصار الجار العربي المسلم لهم، ينظرون عبر نفق مظلم لأمنياتهم الإنسانية وحقوقهم للبقاء أحياء.
في “غزة” الجريحة تصرخ الأنقاض، وتئن البيوت، وتتقاطع دموع الأطفال مع صخب السياسة تظهر خطة السلام الجديدة التي أعلنها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في 29 سبتمبر 2025. رغم ضوء الأمل الذي تحمله هذه الخطة تختبئ خلفها حسابات وقيود النفوذ والمصالح، التي قد تجعل من هذا السلام مجرد إمتحان جديد لأهل “غزة”.
تتضمن هذه الخطة عشرون بندًا نقتطف منها ما يهم المقال، فقد ورد في هذه الخطة وقف إطلاق النار، تبادل الأسرى، إعادة الإعمار، وتوزيع المساعدات العاجلة؛ كل هذه البنود تنصب لمصحة “غزة”، ولكن هناك بنود -من وجهة نظري- تخفي أهدافًا استراتيجية؛ مثل السيطرة على القطاع عبر مجلس السلام الدولي وإدارته الغير عربية، ربط الإنسحاب الصهيوني مع نزع سلاح المقاومة، إقصاء “حماس” عن الحكم والمشاركة السياسية، و ضمان أمن “إسرائيل”؛ وكأن غزة هي من تقوم بالحرب والإبادة، وبعدت بنود هذه الخطة كل البعد عن إدانة “إسرائيل” لحرب الإبادة، وسياسة حرب التجويع، وانسحاب “إسرائيل” من جميع أراضي فلسطين المحتلة، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني؛ فقد غفلت هذه الخطة هذه البنود والتي هي أساس أي مشروع للسلام. وهنا يبرز السؤال؛ هل هذه الخطة ستنصف أهل غزة؟ طبعًا الجواب معروف “لا”، ولكن من جانب آخر يرى بعضهم أن خطة السلام هذه تمثل «فرصة تاريخية» لوقف نزيف الدم وفتح صفحة جديدة في قطاع غزة، وتنفس الصعداء لأهالي غزة المنكوبين، ولكن خلف ما تحمله هذه الخطة من بنود براقة، يظل سؤال لا يقل أهمية عن وقف القتال؛ هل هذه الخطة بالفعل فرصة حقيقية لسكان “غزة” المحاصرين منذ سنوات، أم مجرد وعد جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من الوعود التي لم تجد طريقها إلى التنفيذ؟
وهل ستلتزم دولة الصهاينة ببنود الخطة وتطبيقها، وهم المعروف عنهم بنقض العهود على مر العصور؟.
كيف يمكن الحديث عن سلام دائم إذا غابت العدالة، وضاعت الحقوق. كيف يكون سلام إذا لم يشعر المتضررون بأن أصواتهم مسموعة وحقوقهم مصونة؟
في النهاية يبقى السؤال مفتوحًا؛ هل هذه الخطة تحمل فعلاً بذور أمل ل”غزة”، أم أنها مجرد محطة سياسية عابرة قد تُطوى مع تبدّل المواقف؟ الجواب لن نستطيع أن نحدده الآن بقدر ما سيحدده الواقع على الأرض، ومدى قدرة هذه الخطة على تحويل الوعود إلى أفعال، يقابله ضمان لحقوق الشعب الفلسلطيني.
إن القرار الآن لقبول خطة السلام ليس لدى “حماس” أو حركات المقاومة الفلسطينية المفاوضة على بنود الخطة، بل القرار بيد أهالي غزة والذين سمعنا أصواتهم عبر قنوات الأخبار ووسائل التواصل، وكلهم بصوت واحد يقولون: “نحن باقون ومع المقاومة متلازمون، وأي خطة أو قرار لن نقبل به إلا إذا أعاد لنا حقنا في العيش بكرامة، وأن يعود لنا صوتنا الذي خنقته السياسة وشهد عليه خذلان الأمم، لقد تعلمنا أن السلام لا يأتي من الخارج، وأن العدل لا بد أن يُفرض بالقوة، أن من يعيش بين هذه الجدران المهدمة يعرف الثمن الحقيقي لكل أتفاق، نحن لسنا ضد السلام، بل ضد أن يكون السلام مجرد صفقة سياسية تحرمنا من حقنا في القرار؛ نريد أن يُسمع صوتنا، نحن الذين نعيش الحرب ونكتب تاريخنا بألمنا وأملنا”. أهل غزة يريدون حياة طبيعية، حقهم في العمل والتعليم والصحة، حقهم في أن يشعر الجميع (الأطفال، النساء، الشباب، الشيوخ) بالأمان، بالطمأنينة، بالكرامة.
إن كل قرار أو وعد في نظر الجميع لا قيمة له بدون احترام إرادة الشعب، وتقدير معاناتهم، وتعويضهم عما فقدوه؛ فهذا هو الأهم، وليس المهم نزع سلاح المقاومة.
هكذا تبقى “غزة” صاحبة الكلمة الأخيرة، وحركات المقاومة بما فيها “حماس” هم الحارس لإرادة الشعب ينظرون إلى أي قرار حقيقي يفي لحقوق أهالي “غزة” المنكوبين، ليكون هذا الشعب ليس فقط كحاضن للمعاناة، بل كصوت حيّ يحفر في وجدان الجميع، يجعلهم يشعرون بما يشعر به بكل لحظة، بكل ابتسامة طفل، بكل دمعة أم، وبكل صمت مسنّ يتأملون ما فقدوه وما ينتظروه.
تبدو الخطة في ظاهرها واضحة، لكنها تصطدم بجدار الواقع؛ “حماس” لن تتخلى بسهولة عن سلاحها، و”إسرائيل” لن تفرط في الأمن الذي تكافح للحفاظ عليه. هنا يظهر التحدي الحقيقي، كيف تُحوَّل الخطة إلى واقع ملموس وعادلًا يرضي الجميع. وأمام هذه الخطة الترامبية (خطة السلام).
أهل “غزة” حاليًا أمام امتحان جديد ينتظرون ما تؤل عليه بنود الخطة وقبولها، يقفون بين الأمل في وقف الحرب وواقع قد يُعيد تشكيل سيادتها تحت مظلة جديدة. وهل سيكون هذا السلام بداية حياة كريمة، وبين الخداع والحقيقة، ويبقى السؤال الأكبر مطروحًا أمام التاريخ؛ هل ستصبح هذه الخطة بداية الحياة الكريمة لأهل “غزة” لهم، أم هي فصل آخر من الانتهاكات والدمار المستمر؟.
هذا السؤال الأشد إيلامًا يبقى معلقًا، لا يجيب عنه أحد سوى من يعيشون بين أنقاض “غزة”.



