دعهم في غيّهم وامضِ في طريقك بثبات
جمال بن سالم المعولي
أعيش في هذه الحياة، بحمد الله وفضله، سعيدًا راضيًا. أستمد طاقتي من قناعتي بأن السعادة الحقيقية ليست فيما يملكه الإنسان من مال أو منصب أو جاه وإنما فيما يحمله قلبه من صفاء وما يؤديه ضميره من واجبات بأمانة.
إن أجمل ما يغمرني كل صباح هو ذلك الشعور بالنشاط والحيوية حين أبدأ عملي مدركًا أن ما أقوم به ليس مجرد واجب وظيفي بل رسالة إنسانية أسعى من خلالها لإرضاء ربي أولًا، ثم خدمة وطني ومجتمعي بكل ما أستطيع.
وكثيرًا ما يصلني من كلامٍ يُقال خلف ظهري لكنني تعلّمت أن أضعه في ميزان اللامبالاة فلا أهدر طاقتي على ما لا ينفع، بل أعتبره غيرةً طبيعية من نجاحٍ أكرمني الله به.
فالموظف الناجح لا يقيس نجاحه بآراء الناس فيه، بل بما يقدمه من إنجازٍ حقيقي وبما يحصده من محبةٍ صادقة من زملائه ومن حوله.
وأنا أحمد الله أنني بين من يحبون لي الخير وأحب الخير للجميع ولكنني لا أنسى أبدًا من يظلمني؛ فالكلمة قد تكون أحيانًا أشد وقعًا من السهام، والموقف يبقى شاهدًا لا يُمحى من الذاكرة.
ولعلّ من أبرز ما يدفع بعضهم إلى إطلاق سهامهم الخفية هو عقدة النقص التي تسيطر على نفوسهم؛ فبدل أن ينشغلوا بتطوير ذواتهم، يوجّهون طاقتهم نحو الآخرين بالانتقاص والتجريح؛ إنهم يرون في نجاح غيرهم مرآةً تعكس فشلهم، وفي تقدير الآخرين لزميلٍ مجتهد فضيحةً لعجزهم.
لكن هذه العقدة لا تزيد الناجح إلا ثباتًا، ولا تزيد صاحبها إلا غرقًا في بئرٍ لا قرار له؛ لأن من لم يُصلح نفسه، فلن ينفعه أن يحطّ من قدر غيره.
لقد علّمتني التجارب أن النقد البنّاء هديةٌ ثمينة، أقبله بكل ترحاب، وأجعله وسيلةً لإصلاح نفسي وتطوير أدائي؛ أما النقد الهادم أو الكلام الجارح، فلا مكان له في قلبي ولا في وقتي.
ولهذا، أحرص دائمًا على الحضور إلى عملي باكرًا، لا ليقال: “فلان سبّاق للحضور”، أو يُشار إليّ بإصبع المديح، وإنما لأني أعلم أن ضميري لا يرضى إلا أن أبدأ يومي كما ينبغي؛ وما أبهى اللحظة حين تأتي كلمات الإشادة من المسؤولين فهي ثمرة جهدٍ صادق، وعملٍ جماعيٍ متقن، يهدف إلى تحسين جودة العمل ورفع مستوى الأداء.
وكم من أشخاصٍ احتويتهم بقلبٍ رحيم، وفعلت فيهم الخير دون أن أنتظر جزاءً أو شكورًا؛ خدمتهم واهتممت بأمرهم كأنهم جزءٌ من عائلتي، ووقفت إلى جانبهم في لحظات ضعفهم، وكنت لهم سندًا حين عزّ السند. أعطيت من وقتي وجهدي، وفتحت لهم أبواب قلبي قبل أن أفتح لهم أبواب مقر عملي، لكنهم نسوا ذلك، أو تناسوه حين تبدّلت الأحوال؛ ومع ذلك، لا أندم على ما قدّمت؛ لأنني أؤمن أن الأجر لا يضيع عند الله، وأن ما يُبذل في سبيل الخير يبقى محفوظًا في سجلٍّ لا يُمحى. فالعطاء لا يُقاس بردّ الجميل، بل بنيّةٍ صادقةٍ ووجهةٍ خالصة، ومن زرع المعروف في قلوب الناس، فلن يُحرم ثماره ولو بعد حين.
إنني على يقين بأن السعيد حقًا هو من شغل نفسه بنفسه، ولم يجعل وقته مستهلكًا في الحديث عن الآخرين أو الخوض في حياتهم؛ فالإنسان مرآةُ تربيته، وأخلاقه هي الدليل الأكبر على معدنه، والناجح الحقيقي هو من يصنع أثرًا في عمله، ويترك بصمةً في سلوكه، قبل أن يُترك له أثرٌ في منصبٍ أو كرسي.
ولنا أن نتذكر دائمًا أن المناصب زائلة، والكراسي متعاقبة، وما يبقى للإنسان بعد رحيله إلا سمعته الطيبة، وأثره الجميل، ودعاء الناس له.
فلنصنع لأنفسنا مجدًا أخلاقيًا يرفعنا فوق الدنيا بأسرها، ولنغرس في قلوبنا حبّ الخير للآخرين، ولنترك في سطور حياتنا أثرًا ناصعًا يقرأه من يأتي بعدنا؛ فما الحياة إلا رحلةٌ قصيرة، مهما طالت، وما يبقى للإنسان إلا ذكره الطيب وفعله الجميل؛ إن أجمل ما يخلّد الإنسان بعد رحيله ليس منصبًا شغله، ولا كرسيًا جلس عليه، بل عملًا نافعًا قدّمه، وخلقًا رفيعًا عاش به، وسمعةً طيبةً بقيت حيّةً في قلوب الناس.
فطوبى لمن شغل نفسه ببناء ذاته، وهنيئًا لمن سعى بصدقٍ في عمله، وسلامٌ على من جعل من الأخلاق تاجًا يزين حياته، ومن الإخلاص سبيلًا لراحته وسعادته.



