الإثنين: 09 مارس 2026م - العدد رقم 2849
مقالات صحفية

المعلم ما بعد التقاعد : قيمة مهدورة أم خبرة يمكن استثمارها؟ 

سيف بن علي العبري

حين يُغلق المعلم باب صفّه للمرة الأخيرة، لا تُطوى فقط صفحة من حياته المهنية، بل يُطوى فصل من ذاكرة جيل، وتُغلق خزنة من الخبرات والمعرفة التي لا تُقدّر بثمن. فالمعلم الذي أفنى عمره بين السبورة والطبشورة، ووهب وقته وطاقته لأبناء وطنه، يُترك في كثير من الأحيان بعد التقاعد لا أحد يسأل عنه وعما خزّنته ذاكرته، فهل حقًا تنتهي صلاحية المعلم بالتقاعد أم أن في جعبته ما يمكن أن يُثري الأجيال والمجتمع إن أُُحسِن استثماره؟

المعلم ذاكرة تربوية وثقافية وسلوكية تراكمت عبر سنوات من الخبرة، وعند التقاعد، لا تتوقف قدرته على العطاء، بل تتغير أدواته هكذا يجب أن يكون المعلم دائما مدى الحياة، وظائف العمل متعددة، وفرص العطاء متنوعة، وحقول الإبداع والجود لا حصر لها، وإن كان حقل التربية والتعليم يتصدر تلك الميادين المختلفة، لما له من سبق في بذر المعرفة وتربية الأجيال وصقل المواهب وتهذيب السلوكيات في شتى مراحل حياة الإنسان.

عندما يتم نسيان المعلمين المتقاعدين فإننا نخسر الآتي:

أ‌. الخبرة التراكمية في حل المشكلات الصفية والإدارية.

ب‌. القدرة على تدريب المعلمين الجدد بواقعية وعمــــــق.

ج. الحنكة في بناء العلاقات الإنسانية مع الطلبة وأولياء الأمور.

وفي عالم يتسابق على تطوير التعليم، تُعد خسارة هذه الموارد خطأً استراتيجيًا فادحًا.

ما أوجه التقصير في حق معلمينا المتقاعدين؟

رغم تقدير المجتمع العظيم للمعلم، إلا أن الواقع يُظهر فجوة واضحة في التعامل مع المعلمين بعد التقاعد سواء من قبل الحكومة أو المجتمع المدني نختصرها من خلال النقاط التالية:

أ‌. قلة البرامج المجتمعية أو التعليمية التي تدمجهم بعد الخدمة.

ب‌. غياب القوانين التي تتيح استثمار خبراتهم ضمن خطط الوزارة أو المجتمع المدني.

ج. شعورهم بالتهميش والإقصاء بعد أن كانوا في موقع التأثير اليومي.

وهذا التقصير لا يُسيء للمعلم فقط، بل يفقد المجتمع أحد أهم مصادر الحكمة والخبرة، ففي كثير من الأنظمة التعليمية وخاصة العربية منها، ما إن يُحال المعلم إلى التقاعد حتى يُنظر إليه وكأن دوره قد انتهى، رغم أنه في الواقع يدخل مرحلة نضج فكري ومهني يمكن أن تُسهم بعمق في تطوير العملية التعليمية،لذا، يجب أن ننتقل من فكرة التقدير الرمزي إلى منهجية الاستفادة العملية، ومن أبرز الحلول القابلة للتطبيق:

١- استثمار خبراتهم في تدريب المعلمين الجدد.

٢- يمكن تعيين عدد من المعلمين المتقاعدين كمستشارين تربويين غير دائمين داخل المدارس لتقديم الدعم في عدة أمور منها:

أ. الإرشاد الأكاديمي والنفسي للطلبة.

ب. فض النزاعات بين الطلاب أو بين الطالب والمعلم.

ج. تقديم رؤى لتحسين الأداء المدرسي.

٣- تأسيس مراكز تطوعية يقودها معلمون متقاعدون.

٤- المعلمون المتقاعدون يتمتعون بسنوات من الخبرة في التدريس وفهم المناهج الدراسية،هذه الخبرة تجعلهم مؤهلين بشكل ممتاز للعمل كمراجعين مستقلين للمناهج التعليمية.

٥- يمكن للمعلمين تقديم خدماتهم للمدارس الخاصة، أو دور نشر، أو حتى المؤسسات التعليمية التي تطلب خبرة في مراجعة وتطوير المحتوى التعليمي لديها.

قال أمير الشعراء أحمد شوقي:

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيــــــلا كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا

سُبحانَكَ اللَهُمَّ خَيرَ مُعَلِّمٍ عَلَّمتَ بِالقَلَمِ القُرونَ الأولى

أَخرَجتَ هَذا العَقلَ مِن ظُلُماتِهِ وَهَدَيتَهُ النورَ المُبينَ سَبيلا

إن تركنا المعلم بعد التقاعد دون التفات، فإننا نخسر جزءًا من ذاكرتنا الوطنية، وكنزًا تربويًا يمكن أن يُشكّل فرقًا في مستقبل التعليم، وهذه دعوة أقدمها للجهات المختصة إلى إعادة التفكير في كيفية تعاملنا مع من علّمونا الأبجدية، وزرعوا فينا القيم، ووهبونا أنفسهم لأجل مستقبلنا، فالمعلم المتقاعد ليس نهاية بل بداية لفرصة لم تُكتشف بعد، إن أحسن استغلالها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights