وآسفاه… أمة فقدت البصيرة
علي بن مبارك اليعربي
ليست المصيبة في أن تفقد الأمة قوتها، ولا في أن تتراجع مكانتها بين الأمم، فهذه سنن تداول الأيام، إنما المصيبة العظمى أن تفقد بصيرتها؛ تلك العين الداخلية التي تميز بها الحق من الزيف، والمصلحة من المفسدة، والعدو من الصديق.
لقد امتلكت أمة الإسلام يوما بصيرة صنعت حضارة، وشيّدت إنسانا، وأقامت ميزانا أخلاقيا قبل أن تقيم صروح القوة. كانت ترى ما وراء الأحداث، وتقرأ الواقع بميزان القيم، وتختلف دون أن تتفكك، وتتنوع دون أن تتصارع. أما اليوم، فكم هو موجع أن نرى أمة تبصر الأشياء بعيون غيرها، وتفكر بعقول مستعارة، وتحاكم قضاياها بردود أفعال لا برؤية واعية.
فقدنا البصيرة حين اختلط علينا الصوت العالي بالحقيقة، وحين صرنا ننجذب للشعارات أكثر من المبادئ، وللشخصيات أكثر من الأفكار، وللخصومة أكثر من البحث عن الصواب. فقدناها عندما تحولت الخلافات الفكرية إلى معارك هوية، والنصوص إلى أدوات توظيف، والدين إلى ساحة صراع لا إلى منارة هداية.
وفقدنا البصيرة أكثر حين تراجع دور العقل الواعي لصالح الانفعال، ودور العالم الرباني لصالح المتصدر بلا علم، ودور القيم أمام المصالح الضيقة. فصار كثير من أبناء الأمة يعرفون كيف يغضبون، لكنهم لا يعرفون كيف يفكرون، يحسنون النقد، لكنهم لا يحسنون البناء، يتقنون الهدم اللفظي، ويعجزون عن الإصلاح العملي.
غير أن النقد الصادق لا يكتمل إلا بالأمل. فالبصيرة لا تموت، لكنها تغيب، ويمكن إحياؤها متى ما عدنا إلى أصولها: بصيرة تبنى على فهم الدين فهما مقاصديا لا شعاريا، وعلى تربية عقل ناقد لا مقلد، وعلى إعلام مسؤول لا مهيّج، وعلى خطاب تربوي يعيد ترتيب الأولويات، ويعلّم الناس كيف يختلفون دون أن يتعادوا.
إن استعادة بصيرة الأمة لا تبدأ من صخب المنصات، بل من هدوء الوعي، ولا من جلد الذات، بل من مصارحتها، ولا من البحث عن شماعات، بل من تحمل المسؤولية الفردية والجماعية.
وآسفاه… أمة فقدت البصيرة، لكنها لم تفقد الفرصة.
فالعودة إلى الوعي ممكنة، متى ما آمنا أن البصيرة قبل البصر، وأن الهداية قبل القوة، وأن إصلاح الفكر هو الطريق الأقصر لإصلاح الواقع.



