الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

التعليم الرقمي في سلطنة عُمان: من التأسيس الاستراتيجي إلى التمكين المستدام

معاذ بن حسن الظهوري

يمثل التحول الرقمي في قطاع التعليم بسلطنة عُمان حجر الزاوية في تحقيق الأهداف الوطنية الطموحة المنبثقة من رؤية عُمان 2040، التي تهدف إلى بناء اقتصاد معرفي ومجتمع مبتكر. لم يعد التعليم الرقمي خيارًا تكميليًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لإعداد جيل يمتلك مهارات المستقبل وقادرًا على المنافسة إقليميًا وعالميًا. ويستعرض هذا المقال مسيرة التعليم الرقمي في السلطنة، بدءًا من مراحل التأسيس الأولى، مرورًا بجهود التمكين المؤسسي، وصولًا إلى التحديات الراهنة والتطلعات المستقبلية.

أولًا: مرحلة التأسيس والبواكير الأولى

بدأت محاولات دمج التكنولوجيا في التعليم العُماني عبر مبادرات محدودة وتجارب أولية. إلا أن جائحة كوفيد-19 شكّلت نقطة تحول فارقة، إذ فرضت واقعًا جديدًا سرّع من وتيرة تبني حلول التعليم عن بُعد والتعليم المدمج. وقد كشفت هذه المرحلة عن تحديات أساسية تمثلت في ضعف البنية التحتية في بعض المناطق، وتفاوت المهارات الرقمية لدى المعلمين والطلاب، الأمر الذي عزز الحاجة إلى الانتقال من حلول مؤقتة إلى بناء منظومة تعليمية رقمية متكاملة ومستدامة.

ثانيًا: التمكين المؤسسي: ركائز التحول الاستراتيجي

يرتكز التمكين الرقمي في المرحلة الراهنة على منظومة شاملة تتضمن عدة محاور رئيسية:

البنية التحتية الرقمية: تعمل الحكومة على توسيع نطاق شبكات الألياف البصرية وتقنيات الجيل الخامس (5G) لتغطية المدارس بخدمة إنترنت عالي السرعة، بالتعاون مع شركاء من القطاع الخاص.

رقمنة المناهج وتطوير المحتوى: أطلقت وزارة التربية والتعليم مشاريع استراتيجية لتحويل المناهج إلى محتوى تفاعلي، بما يعزز التعلم الذاتي ويوفر مصادر تعليمية مرنة. كما برزت منصات تعليمية وطنية مثل منصة زمن التعليمية لدعم المراحل الدراسية المختلفة.

بناء القدرات البشرية: يضطلع المركز التخصصي للتدريب المهني للمعلمين بدور محوري في تأهيل المعلمين بالمهارات الرقمية المتقدمة، وتمكينهم من تصميم محتوى مبتكر وإدارة الفصول الدراسية الرقمية، بما يعزز لدى الطلاب مهارات القرن الحادي والعشرين.

دمج الذكاء الاصطناعي في التعليم: أصدرت وزارة التربية والتعليم دليل ممارسات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، لتوجيه المعلمين نحو الاستخدام الأخلاقي والفعال لهذه التقنيات، بهدف تحليل بيانات التعلم وتقديم تجارب شخصية وتغذية راجعة فورية، مما يدعم القرارات التربوية.

ثالثًا: التحديات الراهنة

رغم التقدم المحرز، ما زالت هناك تحديات تتطلب حلولًا عملية ومستدامة، من أبرزها:

الفجوة الرقمية: استمرار التفاوت في توفر الأجهزة وجودة الإنترنت بين المناطق الحضرية والريفية والجبلية.

الثقافة الرقمية والتطوير المهني: مقاومة التغيير لدى بعض العاملين في الميدان التربوي، والحاجة المستمرة إلى برامج تدريبية متقدمة لتعزيز ثقافة الابتكار الرقمي.

أمن البيانات والخصوصية: تزايد المخاوف بشأن جمع وتخزين بيانات الطلاب، مما يستدعي تطبيق استراتيجيات قوية في مجال الأمن السيبراني.

توحيد الأطر والمعايير: الحاجة إلى إطار وطني شامل يضمن جودة التعليم الرقمي واستدامته على مستوى جميع المدارس.

رابعًا: التطلعات المستقبلية: تعليم مبتكر لاقتصاد معرفي

يتجه مستقبل التعليم في سلطنة عُمان نحو تبني نماذج تعليمية شخصية ومنصفة تواكب احتياجات كل طالب، من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي والمنصات التكيفية. والغاية المنشودة هي تجاوز حدود التعليم التقليدي وبناء جيل يمتلك المعرفة والمهارات اللازمة لقيادة اقتصاد وطني تنافسي ومستدام، بما يضع السلطنة في مصاف الدول الرائدة إقليميًا في مجال التعليم الرقمي.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights