الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

من فوق الغيم..

هلال السليماني

وفي اليوم التالي تتجلى صلالة في ابتسامة الخريف. وأسمع الصدى يأتي به السياب: “مطر مطر مطر.. وترقص الأضواء كالأقمار في نهر”. يلتئم الرفاق لحظة الوصول إلى هنا، وحدها صلالة القادرة على تشكيل الصورة ورسم المشهد، حيث الملتقى الصحفي الكبير لجمعية الصحفيين العُمانية. وفي اللحظة التي “تثاءب المساء، والغيوم ما تزال تسحّ ما تسحّ من دموعها الثقال”.

وفي الصباح تأخذنا الخطوات إلى “المدائن”، قلعة الصناعة في أرض اللبان، وكأنها مدائن كسرى السبع عند دجلة العراق، وقد تجلّت فيها رؤية الاقتصاد وشكل الصناعة وصور التحديث في عهد يستشرف المستقبل ويرسم الخطوات في طريق النماء. وقد أخذت من المكان مكانة وهيبة. نطوف بالأماكن: هنا مصنع صلالة للصناعات الحديدية، وهناك مصنع الكابلات. تطواف في المنجز العُماني الذي أرسته النهضة واكتملت صورته مع الوجه العُماني الذي يستقبلك في المكان. وفي الطرز والعمران تحتفي العراقة والتجديد شكلاً ومضموناً في المباني والطرق والمساحات الخضراء على مدّ النظر، وكأن الجمال والروعة سكنا هنا، ليت الزمن يتوقف.

أما أنا، فتأخذني الخطوات إلى حيث لا أدري.. إلى هناك حيث الأمكنة المكتنزة بالذكريات. المعالم تغيّرت قليلاً إلا من الدروب التي ما زالت تحفظني، تعيد إليّ ذاكرة الأمس المنسي. أشتمّ رائحة الحكايا التي انسكبت لحظة لقاءاتنا، وفي مشوارنا المتكرر إلى سوق الحافة وعند “مقهى الوثيقة”. لازالت الأمكنة تستغيث من فرط الضحكات. أيها المتسلل بين خلايانا المتعبة من سياط الزمن الذي ولّى، ما زال يطاردنا العمر. لقد تجاوزنا العتبة، نتوسل من أعماقنا إلى الزمن اللاهث أن يتركنا برهة نشتم قهوة المكان، ونعصر أفئدتنا اللاهثة خلف سراب العمر. عليّ أن أستريح، فقد وجدت المكان المشحون برصيد الذكريات، ونحن نعبر شوارع المسافة المعتقة برائحة اللبان.

إيه صلالة، لازلتِ تتوشحين الجمال، أعيدي إليّ اللحظة التي تسربت مع زحمة الأيام. لعل ذاكرتي تنعشها دروب “القوف” التي هجرتها الأيام. أسير في الدروب، أصافح وجوه المارة، كل الأشياء ما زالت في مكانها: عبق الخطوات وصدى الضحكات أجدها هنا عند شارع السلام. ألمح صاحبي وقد أخذ معه شيئاً من ذكرياتنا هنا عند “مسجد القوف”، أتكئ على “الزاوية”. أيها العابرون.. أعيروني شيئاً من وجوهكم كي أستكشف وقائع الماضي وانسياب الذكريات.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights