الإثنين: 16 مارس 2026م - العدد رقم 2856
مقالات صحفية

عندما يصدح القلم…

خلفان بن ناصر الرواحي

عندما يصدح القلم، ويسيل لعاب الحبر من بوتقةٍ معتقة منذ مدة طويلة وبعد انقطاع دام فترة زمنية عجزت الحروف عن النطق والتعبير عن أي كلمة لترتبط بها لتصدح ببيان اللغة العربية للتعبير، وبعد ما كاد يجفّ ويتشحرج صوت الحرف عن النطق؛ ها هو يعود من جديد لعله يعود بهمة عالية ويستفيق من سباته.

بلا شك أن كلنا محتاج إلى الخلوة مع النفس، وتنظيف عميق لقلبه ورأسه من الأفكار السيئة والمزعجة…
هكذا حدثتني نفسي في هجعة السكون، وكأن أنفاس الطبيعة من حولي كانت تتناغم مع بعضها بعضا في تمازج أزلي الوجود مع حروفي المتناثرة لتصدح من جديد…

كنت قد فتحت ستارة الكواليس المتخفية وراء الشواطئ المطلة على بحر الحروف العربية في لحظة كانت فيها الريح هادئة، والنسيم عليلا، والكون قد استسلم في دعة كطفل هدهده النوم في مهده، وكان في تلك اللحظة من سكون الليل القمر مشعاً يلقي بضوئه الحاني البهيج على المكان، فتبدو الأشجار هاجعة، خاشعة، وكأن الأرض اكتست بالحروف لتشع كلؤلؤة خلع عنها الليل رداءه، فراح بريقها يشرق في كل شيء من حولي، حتى توغل في النفس؛ ليشعل بداخلي تلك الشمعة الذهبية وتتناغم لتصدح الحروف وتظل تضيء تحت جوانح الورق، حتى تخيلت أن كل شيء صار يضيء ما حوله..!! وأن الحروف تشرق من جديد كقنديل يتوهج في ليلة استثنائية فريدة!

في تلك اللحظة طارت كل الأوهام السوداوية من مخيلتي، وطارت كل أسراب الأفكار المحبطة التي كانت تأكل أوراق القلب والروح، وظللت أسامر الليل، أسامر الحروف والقمر، وأناجي السكون، وأثناء هذا الصمت الساجي أحسست وكأنه ترامى إلى سمعي صوت هادئ، كان صوتاً عذباً بدا خافتاً ثم صار يصدح ويتعالى، وظللت أصغي إليه؛ إنه صوت حرف بل حروف لغة سحر البيان، وكأنه طائر يغني في هذا الهجيع من الليل، يصدح ما بين حين وحين، كأنه بلبل أو شيء يشبه ذلك، وكأنه يصدح بصوت عذب له رونق من تلك الطبيعة وجمالها، فأصبح يشدو بعد ما أطال الصمت من بعد أصاب نفسي اليأس من عدم عودته، ولكنه فاجأني بعودة البهية مرة أخرى! وكأنه ساجد أمامي ومتبتل أواه، حيث كنت متأملا للطبيعة، فكلما أمعنت النظر وفي جمالها وأطلت التأمل؛ نهض الحرف منتشياً فرتّل لحنا من ألحان تناغم سحر البيان!

وهكذا شعرت بالطمأنينة وصرت منسجماً في جسد الطبيعة وروحها، وصرت نغمة في معزوفة البهاء الحالمة التي ترفّ نغماً في ملكوت الله من تناغم صداحة الحروف، وظللت متأملا أصغي، وكأنني ما زلت أحلم ولا أفكّر في شيء مع حالة الاندماج والانجذاب البصري والوجداني لما أسمع وأرى، وكيف يكون ذلك كله في غفلة مني فانبثق هذا الصوت، الذي ملأ الكون جلالاً، وخشوعاً! صوت ارتعشت له نفسي والطبيعة من حولي كلها، وتوحدت وأصغت في تبتّل وخشوع، إنه صوت الحرف، بل لم يكن صوتاً واحداً، وإنما أصوات صدحت في ربوع الورق الناصع البياض مع تناغم الطبيعة؛ فأخذت تتنافس على الترابط بين السطور، وشعرت حينها أن الروح كلها قد استفاقت واستيقظت، ونهض الحرف ومد يمناه ليصافح القلم لأداء الواجب على ضفاف أنهار الأرض وجمال الروح والطبيعة…!

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights