رواية قصيرة حين يصمتُ الجوار… يتحدث يمنُ الأنصار -الجزء الثالث
إبراهيم مجاهد صلاح
الموت يرقص على أنقاض الحياة
*الفصل الخامس*
في غرفة تحت الأرض، ضوء شاشة زرقاء يسقط على ثلاثة رجال،
لا نافذة، لا ساعة، فقط همهمة المكيّف كأنه يحذّرهم،
قال الأول: “ابدؤوا بالتوقيع”،
اليد الأولى امتدت، خاتمٌ ذهبي يلمع،
الثانية مرتعشة، أظافرها نحيلة،
الثالثة ضخمة، عليها ندبة تشبه حدود فلسطين القديمة،
مقعد. ورقة. توقيع الخيانة.
صحفي يغسل وجهه بالماء البارد،
على الطاولة خلفه يتوهج ملف “مشروع القرن الأخير”،
زوجته تحمله قهوة باردة،
“هل تنام الليلة؟”
هزّ رأسه وقال: “انظري… هذا سيكسر ظهر العالم.”
الملف عامر بصور لاجتماعات سرية،
وثائق مرقمة،
خريطة غزة مقسومة بألوان ليست ألوان العلم الفلسطيني
الطفل محمود يصل إلى الدار،
يلعب بعلبة بيبسي فارغة، يسمع انفجاراً،
يجد أمه تحاول إشعال النار بقطعة خشب الباب،
“ماما، قالوا في الراديو إن هناك اتفاقية…”
أغلقت الأم يدها على النار بجرح،
“لا تهتمي بما يقولون… الاتفاقيات تُكتب بدمائنا.”
الرجل الأول في الغرفة يبتسم بعد التوقيع:
“الآن لن يبقى شيء اسمه فلسطين.”
الثاني يسأل عن الوقت: “المعبر يُفتح غدًا للاجئين فقط.”
والثالث يضحك:
“ومن سيبقى ليحكي القصة؟”
الدكتورة مريم في المستشفى المدمر،
محاولة إنقاذ طفل بشظية في صدره،
التلفاز خلفها يعرض خبر “سلام تاريخي”،
أغلقت عينيها، استمعت للطائرات تدمر الأحياء،
“السلام…”
همست، وتوقف قلب الطفل بين يديها.
في قبو تحوّل إلى فصل،
المعلم خالد يرسم حدود وطن غيره،
“اليوم سنتعلم حدود وطننا.”
يوسف يرفع يده:
“أستاذ، هذا الرسم هو نفسه ما قبل الحرب!”
ينظر المعلم إلى السبورة، ثم إلى الأطفال،
يمسح الخط الأبيض بكفه قائلاً:
“الحدود لا تتغير…
فقط الناس من يعيش فيها.”
في غرفة الطائرات المسيّرة،
الضابط يعدّ الساعات الأخيرة،
النقاط الحمراء على الشاشة تشي بيوتًا تُهيّأ للدمار،
“هل أنتم مستعدون؟”
“نعم سيدي، كل شيء جاهز.”
“في الساعة الثالثة صباحاً… ابدأوا.”
ندى تقف في الشارع الرئيسي،
زجاجة ماء في يد، جثث منتظرة للدفن،
سمعت الراديو يقول:
“…بعد دقائق، سنبدأ أكبر عملية إنسانية في تاريخ غزة.”
ألقت الزجاجة على الأرض،
تحطمت ولم تذهب إلى شفاه عطشانة،
المشهد صامت،
لا ماء… ولا كلام.
في تلك الليلة،
حين كثُرت الطائرات غير المعتادة فوقهم،
وسمعوا الإنذار للمرة الأربعين،
أدركوا أن شيئاً جديدًا يحدث،
لكن لم يعد هناك أحد ليكتب الرواية.
تحت أنقاض بيت في حي التفاح،
بين جثث عائلة من سبعة أفراد،
كان هناك ورقة بيضاء واحدة،
عليها ثلاثة توقيعات بدماء مختلفة،
وفي زاوية الورقة، كلمة تلمع بالحبر الأحمر الداكن:
“خيانة”
الفصل السادس:
في رحم الأرض تُكتب المعجزة،
حيث الأنفاق ليست هروباً بل ولادة.
هناك، ينام القائد على كومة تراب،
والمقاتل يربط على بطنه حجرًا بدل الخبز،
هناك لا وقت للأنين،
الضوء من مصباح شاحب،
والقلب شعلة لا تطفئها الجدران.
“نحن هنا… ولسنا ظلًّا عابرًا.”
“نحن قوس المطر في زمن الرماد.”
أطفال الأمس رجال اليوم،
ينبتون من بين الحجارة كالسنديان،
يرتدون عباءة الليل،
يحملون سلاحًا يشتاق ليدٍ تُصافح الكرامة،
كل رصاصة صلاة،
كل صاروخ تكبيرة.
في حيّ الشجاعية،
تسلل يوسف وأربعة من الرفاق،
زرعوا قنبلة عند مجنزرة العدو،
وركضوا،
لم يركضوا خوفًا، بل ليستدرجوا طائراتهم،
فالشهادة خطة، لا صدفة.
في بيت مهدوم،
أم علاء تخيط علَمًا ممزقًا بخيطٍ من شعرها،
تطبخ العدس في قدرٍ مثقوب،
وترسل ابنها إلى الجبهة وهي تهمس:
“اضرب… ولكن لا تُهزم قلبك.”
تكتب على جدارها المكسور:
“أحبكم يا أبنائي، فإن متُّ، أنا أمّ الشهداء.”
من خلف ساتر رمل مبلول،
يخرج فارس،
يعدّ الصاروخ بأيدٍ تعبت من الحفر،
لا يصرخ، لا يضحك،
فالعزيمة في عينيه أشد من نيران الهاون.
يطلق الصاروخ،
وترتعد قاعدة للعدو على بُعد أربعين كيلومترًا،
لا أحد هناك يموت…
لكن الخوف وُلد في قلوبهم،
وهذا يكفي أحيانًا ليشعر المقاوم أنه انتصر.
في مقطعٍ مسرّب،
يظهر عادل، مقاتل ذو ابتسامةٍ ناعمة،
قبل العملية بساعات،
يسجّل وصيته بهاتفٍ محطم:
“إن عدت… فاستقبلوني بوردة.
وإن لم أعد… فاغرسوني في تربة الوطن.”
لم يعد،
لكنهم وجدوا بقاياه ممزوجة بركام دبابة،
وكانت ابتسامته لا تزال مطبوعة على جدار الطين.
داخل نفق،
القائد سامر يخاطب رجاله:
“لا نطلب النصر اليوم،
نطلب أن يعرفوا أننا لا نختفي،
نعيش حتى في موتنا، ونقضّ مضاجعهم ونحن تحت التراب.”
في المعركة التالية،
ظهروا فجأة كالعاصفة،
كأنّ التراب تنفس سخطه،
زرعوا الرعب في خطوط الحديد،
ثم عادوا كأنهم خيال،
ولم يُعرف من أين جاؤوا… ولا إلى أين ذهبوا.
حمزة (13 عامًا) يُصلح طائرة ورقية أسقطها القصف،
يرسم عليها علَم فلسطين،
ويكتب:
“هذه طائرتي الأولى،
يوماً ما… سأقود طائرة حقيقية ضدكم.”
ليست مقاومة بندقية فقط،
بل قلمٌ في يد طفل،
وصرخة من تحت الأنقاض تقول:
“لن نموت إلا واقفين.”
حين جلست الوفود تتفاوض،
دخل اسم غزة في المعادلة،
ليس لأن العالم أراد،
بل لأن الصواريخ قالت كلمتها،
والأنفاق وقّعت بالحبر الأسود.
ما لم يُكتب بالدم، لا يُحسب على الطاولة.
قالها ممثل المقاومة وهو يخرج،
وملامح النصر في عينيه،
رغم الجوع،
رغم الدمار،
رغم أنهم لا يملكون جيشًا…
بل إرادة أشد من الحديد.
في نهاية الليل،
تجلس فتاة تعزف على بقايا بيانو محطّم،
نغمة حزينة… لكنها تصعد كالدخان،
وحولها أطفال يرقصون،
لا فرحًا…
بل تأكيدًا على أن الموت لا يُفني الروح،
وأنّ شعبًا يرقص وسط الركام،
لا يُهزم.
—
في غزة، الصاروخ ليس للقتل فقط،
بل للقول: نحن هنا.
وفي زمنٍ يُحسب فيه كل شيء بالحسابات،
كانت المقاومة الحسبة المستعصية.


