الأحد: 15 مارس 2026م - العدد رقم 2855
قصص وروايات

رواية نادية .. (الفصل السادس والسابع)

   فايل المطاعني

المشهد السادس .. الظل

في الساعة الثالثة صباحًا، ساد الصمت المطبق جناح الأمراض النفسية، إلا من أزيز أجهزة المراقبة، وضوء خافت يتسلل من تحت أبواب الغرف.

في غرفتها، كانت “نادية” تجلس على الأرض، وظهرها مسنود إلى الجدار البارد. كانت عيناها تحدقان في الفراغ، بينما تمسك بين يديها دمية قديمة وجدتها تحت السرير. كانت تحرك شفتيها بصوت خافت لا يسمعه أحد، وكأنها تخاطب شيئًا غير مرئي.

همست:

هل عدتِ؟… كنت أعرف أنك ستعودين.

فجأة، انقطع التيار الكهربائي للحظة قصيرة، ثم عاد. في تلك الثواني، شعرت الممرضة “علياء” بشيء يتحرك بسرعة في الممر. ركضت نحو الغرفة، فتحت الباب ببطء، ووجدت نادية في مكانها، وعيناها موجهتان نحو زاوية الغرفة.

قالت علياء وهي تقترب:

نادية؟ هل أنتِ بخير؟

ردت نادية بصوت منخفض:

لا تقتربي… إنها هنا.

تجمدت علياء في مكانها.

من؟ من هنا يا نادية؟

أشارت نادية إلى الزاوية وقالت:

أختي… نجاة. جاءت لتحذرني.

أدارت علياء رأسها نحو الزاوية، لكنها لم ترَ شيئًا. عادت بنظرها إلى نادية، فوجدت عينيها ممتلئتين بالدموع، ولكن وجهها كان جامدًا، لا أثر للانفعال… فقط خوف قديم يعود للسطح.

قالت نادية بصوت مهتز:

قالت لي… “احذري من فؤاد”. قالت إنها لم تمت في القبو… قالت إنه دفنها وهي لا تزال تتنفس.

ارتعشت علياء، وأمسكت بيد نادية بلطف:

نادية… لا أحد هنا. أنت مرهقة فقط، يجب أن تنامي.

لكن نادية هزت رأسها بعنف وهمست:

النجاة… لا تأتي إلا في الظلام. الضوء يطردها.

ثم نظرت إلى النافذة وقالت:

لا تطفئوا الأنوار الليلة… أرجوكم.

وبينما كانت علياء تهمّ بالخروج، نظرت مرة أخيرة إلى الزاوية. للحظة قصيرة، أقسمت أنها رأت ظلاً يتحرك.

يتبع…

المشهد السابع .. الزيارة

في صباح اليوم التالي، كانت الدكتورة بدرية تجلس في مكتبها، عيناها شاردتان في تقرير حالة نادية، وكأنها تحاول فك شيفرة لم تُكتب بالحبر، بل بالخوف.

رنّ جرس الباب.

رفعت رأسها وقالت بهدوء:

تفضل.

دخلت امرأة في منتصف الثلاثينات، أنيقة رغم ملامح الإرهاق التي طغت على وجهها. مدت يدها قائلة:

صباح الخير دكتورة، أنا نجلاء، صديقة نادية منذ الطفولة.

تبادلت معها الدكتورة التحية، وأشارت لها بالجلوس.

تفضلي، نادية لم تذكر أنك زرتها من قبل.

ابتسمت نجلاء ابتسامة باهتة وقالت:

في الحقيقة… لم أجرؤ. كنت خائفة من رؤيتها بهذه الحالة. لكن الليلة الماضية حلمت بها. كانت تبكي وتقول لي: “أخبريهم أني لست نادية”. فقررت أن آتي.

نظرت إليها الدكتورة بدرية بتركيز:

هل قالت لك ذلك في الحلم؟

نعم، وكانت ترتجف… كانت ترتدي نفس الفستان الذي كنا نرتديه يوم وفاة والدها. أتذكره جيدًا.

سجلت الدكتورة المعلومة، ثم سألت:

هل كانت نادية قريبة من أختها نجاة؟

ابتسمت نجلاء بحزن:

كانتا متلازمتين. توأمان لا ينفصلان، لكن الفرق بينهما أن نجاة كانت دائمًا خجولة، منطوية، تخاف من كل شيء… بينما نادية كانت الأقوى. وقعت نجاة في الاكتئاب بعد وفاة والدهما، ثم اختفت فجأة. قيل إنها سافرت للعلاج، ثم… لا أحد تحدث عنها مجددًا.

سألتها الدكتورة بهدوء:

هل رأيت نجاة بعد ذلك؟

هزّت نجلاء رأسها نفيًا:

لا… لم أرها منذ أكثر من عشر سنوات.

صمتت الدكتورة لبرهة، ثم قالت:

هل تمانعين في رؤيتها الآن؟ نادية؟

ترددت نجلاء قليلًا، ثم هزّت رأسها بالموافقة.

بعد دقائق، كانت تقف أمام الزجاج الفاصل لغرفة نادية، تراقبها من بعيد. نادية كانت جالسة على السرير، تمشط شعر الدمية التي لا تفارق يدها.

قالت نجلاء بصوت خافت:

دكتورة… هذه ليست نادية.

نظرت إليها بدرية بدهشة:

ماذا تقصدين؟

قالت نجلاء بثقة:

حتى طريقة جلوسها… تلك نجاة. أقسم أنها نجاة.

ثم تراجعت خطوة إلى الخلف، وكأنها شعرت بشيء غريب، وهمست:

هذا المكان… يختبئ فيه أكثر مما يُرى.

يتبع…

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights